تيرغول، إثيوبيا - نياجوك*، أم عزباء لثلاثة أطفال، من مقاطعة أكوبو في ولاية جونقلي بجنوب السودان. فرّت من اندلاع العنف في مارس ووصلت عبر الحدود إلى إثيوبيا، كانت خائفة وعانت من أجل الحصول على أي خدمات.
قالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية: "ركضت لإنقاذ حياتي دون أن أحمل معي أي شيء، حملتُ أطفالي فقط".
كانت الرحلة شاقة، فقد تعرضت النساء والفتيات للاعتداء الجنسي والاغتصاب. لم يكن هناك طعام ولا مأوى ولا مياه شرب نظيفة ولا خدمات صحية.
غالبًا ما يكون العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، من النوع الذي شهدته نياجوك، مجرد بداية لمعاناة مدى الحياة تتحملها الناجيات، اللاتي غالبًا ما تواجهن الوصم الاجتماعي والنبذ من عائلاتهن أو مجتمعاتهن. وعندما ينتج عن الاغتصاب أطفال، تتفاقم هذه المشكلات.
في 19 يونيو، تُحيي الأمم المتحدة اليوم الدولي للقضاء على العنف الجنسي في النزاعات، داعيةً إلى وضع حد لهذا العنف وللوصم الذي يمنع الكثير من الناجيات من الإبلاغ. وللأسف، يتفاقم الوضع حاليًا: فقد أشار تقرير حديث إلى ارتفاع العنف الجنسي ضد الأطفال بنسبة 35% في عام 2024.
الفرار من أجل الحياة
عندما فرّت نياجوك في مارس، كانت واحدة من آلاف الأشخاص الذين أُجبروا على ترك منازلهم. نجت العائلات بأعجوبة من الرصاص والقصف قبل عبور النهر للوصول إلى قرية تيرغول في إثيوبيا.
"أخشى ألا ينجو أحد في هذه الظروف" - نياجوك
إلى جانب الصراع، تُفاقم الأزمات المناخية، كالفيضانات والجفاف، من مخاطر العنف الجنسي، إذ غالبًا ما تضطر النساء والفتيات إلى السير على الأقدام لساعات دون مرافق بحثًا عن الطعام والماء. تقول نياجوك: "الأمطار قادمة، لكن لا مأوى ولا خدمات طبية ولا حماية ولا طعام. أخشى ألا ينجو أحد في هذه الظروف".
فقدت نياوال* والدتها وابنها وزوج أختها في القتال. وقالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "لا أعرف حتى مكان بعض أطفالي حاليًا. لقد عانينا من عنف مروع. قُتل كبار السن، وذُبح الأطفال أمام أعيننا. كان هناك إطلاق نار كثيف، وأُحرقت المنازل حتى سُوّيت بالأرض".
النساء والفتيات في قلب الأزمة
منذ ذلك الحين، استؤنفت العمليات الإنسانية تدريجيًا، ويجري استعادة الخدمات الأساسية. ولكن بدون تضامن دولي مستدام وعمل محلي، يظل خطر التعرض لمزيد من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع مرتفعًا.
على الصعيد العالمي، ما زالت أنظمة الدعم المُرتَكِزة على الناجيات غير كافية في معظمها وكذلك ملاحقة الجناة. يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان على معالجة هذا الأمر، ويشمل ذلك عمل شبكة للناجيات من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع في جنوب السودان، والتي قدمت الدعم لمئات النساء - بمن فيهن من لديهن أطفال نتيجة الاغتصاب - من خلال خدمات الاستشارة ودعم الأنشطة المدرة للدخل. ومع ذلك، لا تزال الاحتياجات هائلة.
يُقدر أن 2.5 مليون امرأة وفتاة في جنوب السودان بحاجة إلى خدمات الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والحماية منه، حيث تعرضت حوالي ثلثي النساء والفتيات للإيذاء حتى قبل التصعيد الأخير. ومع ذلك، فإن الوصم الاجتماعي والخوف من الانتقام يرجحان أن تكون هذه الأرقام المُفزِعة أقل من الواقع.
نيالوت*، عاملة صحية تعمل في منشأة يديرها صندوق الأمم المتحدة للسكان في ديلولي، جنوب السودان، وقد لجأت أيضاً إلى إثيوبيا، قالت: "لا توجد خصوصية للنساء والفتيات في الأماكن العامة هنا، وعندما يضطررن للخروج لجمع الحطب أو الذهاب إلى دورة المياه يكُنّ غير آمنات؛ إذ يتعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي".
بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي، كان صندوق الأمم المتحدة للسكان يدير سابقاً مساحة صديقة للنساء والفتيات ومنشأة صحية في مقاطعة ديلولي الفرعية في أكوبو، حيث كان يقدم خدمات الصحة الإنجابية والجنسية للنساء والفتيات. لكن انعدام الأمن والنهب والعنف أدوا إلى تعطيل خطير للمساعدات الإنسانية.
كما قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان مساعدة شاملة للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، في مستشفى أكوبو الحكومي. وبدعم من الصندوق العالمي وحكومة النرويج، قُدّمت مساعدات طبية ونفسية واجتماعية وقانونية متكاملة في مركز لحماية الأسرة. إلا أن هذا المركز نُهب خلال تصاعد الأعمال العدائية في فبراير 2026، ما أدى إلى انقطاع الخدمات الأساسية.
"عندما تضطر النساء والفتيات للخروج لجمع الحطب أو الذهاب إلى دورة المياه لا يكنّ بأمان؛ إذ يتعرضن للاغتصاب أو الاعتداء الجنسي" - نيالوت*
كانت نياجوك، إحدى الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتلقى المساعدة في مساحة آمنة للنساء والفتيات. على سبيل المثال، كانت تتلقى حقيبة كرامة تحتوي على مستلزمات النظافة الأساسية، بالإضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي. وقالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "منذ نزوحي، لم أعد أتلقى هذه الخدمات".
تفاقم المخاطر الصحية
بالنسبة للنساء والفتيات الحوامل، تتفاقم آثار الأزمة. تقول نياوال، التي كانت حاملًا في شهرها الرابع آنذاك: "لا توجد رعاية ما قبل الولادة، ولا غرف ولادة، وأخشى أن ألد تحت الأشجار مثل غيري من النساء".
وأوضحت العاملة الصحية نيابيل*: "لا يوجد مكان آمن يمكن للعاملين الصحيين فيه تقديم الخدمات الطبية في المنطقة. لا توجد إمدادات لعلاج النساء والفتيات المريضات. تلد النساء على يد عاملات صحيات غير ماهرات أو قابلات تقليديات، حيث يمكن أن تؤدي المضاعفات إلى وفاة هؤلاء النساء".
وأضافت: "النساء خائفات على سلامتهن ليلًا ونهارًا".
يعمل الدكتور غوني ديت في عيادة مدعومة من صندوق الأمم المتحدة للسكان في تيرغول، بإثيوبيا. قال: "تعاني العديد من النساء الحوامل من نزيف أو ولادة على الطريق، وكذلك الإجهاض، لأنهن لا يعرفن إلى أين يتوجهن أو أين يجدن الخدمات الصحية".
كما أن نقص الكوادر الطبية نتيجةً لمحدودية التمويل حال دون وصول العاملين الصحيين إلى المجتمعات المحلية لإعلامهم بالخدمات المتاحة. وأضاف: "مع أن الدعم محدود ولا يغطي جميع المجتمعات، إلا أنه ينبغي على الأقل أن يتمكن من هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة من الوصول إلى المستشفى".
يساهم التمويل المستمر للجهات المحلية الفاعلة على الأرض والتنسيق بين المنظمات الدولية في الحد من العنف القائم على النوع الاجتماعي ومعدلات وفيات الأمهات والمواليد، حتى في غياب نظام صحي فعّال.
"أخشى أن ألد تحت الأشجار مثل غيري من النساء" - نيوال*
منذ أن هدأت الأوضاع، نقل صندوق الأمم المتحدة للسكان جواً 1.2 طن من الإمدادات الطبية إلى أكوبو لدعم استئناف العمليات الإنسانية والعودة التدريجية للمدنيين من إثيوبيا. ومع ذلك، ونظراً لتزايد أعداد المحتاجين للمساعدة، ستكون هناك حاجة ماسة لإعادة تخزين هذه الإمدادات لضمان استمرار تقديم الخدمات المنقذة للحياة.
"أملي هو توفير الصحة والحياة الآمنة رغم التحديات التي تواجه منطقتي"، هكذا قالت نيالوت. "أتمنى من خلال هذا الدعم أن يُحسّن العاملون في مجال الرعاية الصحية قدراتهم، وأن تنخفض حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل كبير، وأن تتمكن النساء والفتيات من الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بأمان وسهولة".
*تم تغيير الأسماء لاعتبارات الخصوصية والحماية