البوسنة والهرسك - في فوتشا، وهي بلدة صغيرة في شرق البوسنة والهرسك، ينساب نهر درينا عبر جبال كانت شاهدة على ويلات حربٍ طاحنة. ورغم انتهاء الصراع قبل 30 عامًا، لا يزال العديد من الأطفال ينشأون في بيئةٍ منقسمة: فطلاب البوشناق والكروات والصرب غالبًا ما يرتادون مدارس منفصلة، وأحيانًا يتشاركون المبنى نفسه لكنهم يدخلون من أبواب مختلفة، ويتعلمون روايات متباينة لتاريخٍ مشترك.
نظريًا بلدهم ينعم بالسلام، لكنه لم يُرسّخ بعد. والآن، بدأ التغيير يلوح في الأفق: في مدرسة يدرس ويلعب فيها شباب من مختلف الأديان والخلفيات معًا، تتذكر إيفا كوفاتشيفيتش لحظة انتصارها في بطولة جديدة للألعاب. قالت: "لم يكن الفوز هو الهدف، بل التعلّم المُشتَرَك". تُسمى اللعبة "أوديسة السلام"، وقد ابتكرها صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية، لتشجيع القادة الشباب وتعزيز التماسك الاجتماعي.
"لا نتنافس في هذه اللعبة لنرى من الأفضل، بل تُعلّمنا كيف نكون أفضل مع بعضنا بعض" - داليا ملاك
صُممت اللعبة بمشاركة أكثر من 1500 طالب ومعلم من نحو 60 مدرسة في أنحاء البلاد، وانتقلت بين المدن التي كانت تفصلها خطوط المواجهة في الحروب. تُشكّل اللعبة جزءًا من جهود صندوق الأمم المتحدة للسكان لترسيخ تعليم السلام من خلال مناهج تشاركية ومبتكرة. يهدف المشروع إلى تمكين الشباب من المشاركة في حوارات بنّاءة، وتعزيز الحوار بين الثقافات، والاندماج والمساواة بين الجنسين، وبناء التفاهم والثقة المتبادلين في المنطقة.
في لعبة "أوديسة السلام"، يتولى كل لاعب إدارة منطقة، بهدف بناء مجتمع متماسك، حيث يحصل اللاعبون على "شارات" مقابل مبادرات مثل التنمية الشاملة، والاقتصاد الإبداعي، والاستدامة. تقول لينا ميلوفيتش، طالبة صربية تبلغ من العمر 17 عامًا من تريبيني: "تحمل اللعبة العديد من الرسائل الجميلة التي تربطنا ببعضنا".
تساهم "أوديسة السلام" في التخفيف من آثار الألم والصدمات الناجمة عن الحرب، وقد أصبحت جزءًا من النظام التعليمي في كانتون توزلا، لتكون بذلك أول منطقة في البوسنة والهرسك تتبنى هذه الخطوة، حيث تستخدمها كل فصول مدارسها البالغ عددها 124 مدرسة.
صُممها الشباب للشباب
قالت داليا ملاك، من توزلا: "لا نتنافس في هذه اللعبة لنرى من هو الأفضل، بل تُعلّمنا كيف نكون أفضل مع بعضنا بعض".
تؤيدها إمراه بوشكو، 18 عامًا، من موستار، قائلة : "لقد ذكّرتني هذه اللعبة بأن السلام ليس حالة نهائية، بل هو عملية نتعلم فيها الإصغاء والتفاهم وبناء الثقة فيما بيننا".
لكن هناك أجزاء من رقعة اللعب تُسمى "ساحات الحرب": إذا هبط أحد اللاعبين على إحداها، تتوقف اللعبة للجميع، بغض النظر عن الموارد التي جُمعت أو التقدم المُحرز. وأوضح داركو ساماردزيتش، طالب صربي يبلغ من العمر 16 عامًا من شرق سراييفو: "اندلاع الحرب فشلٌ مشترك".
الطريقة الوحيدة لاستمرار اللعبة هي استدعاء ما يُسمى "جيوش السلام": التعاطف، والحوار، واحترام التنوع، والاهتمام بالبيئة.
"اندلاع الحرب فشلٌ مشترك" - داركو ساماردزيتش
في كل لعبة، تأتي لحظةٌ يُساعد فيها لاعبٌ من مجتمعٍ ما لاعبًا من مجتمعٍ آخر لتجنُّب "ساحة حرب". فعندما يُعطي صبيٌ صربيٌّ بطاقةً خاصةً لفتاةٍ بوسنية، على سبيل المثال، أو عندما يُساعد طفلٌ كرواتيٌّ زميله الصربي على التقدّم، تُعلِّمهم اللعبة أن مصائرهم مُرتبطة.
"من خلال هذه اللعبة، أدركتُ أن السلام يبدأ من أنفسنا"، هكذا قالت آنا تشوراك، طالبةٌ كرواتيةٌ تبلغ من العمر 16 عامًا من فيتيز. "لكن من المستحيل الحفاظ عليه دون العمل معًا".
لعبة مُصَمِّمة لفصول الدراسة وتُغيِّر المجتمعات
تمنح اللعبة "بطاقات شخصية" تقديرًا لمهارات القيادة العادلة، حيث تمثل كل بطاقة شخصًا حقيقيًا من المجتمع المحلي. من الجيران إلى المعلمين والناشطين، هذه هي الوجوه الحقيقية لمن اختاروا طريق المصالحة.
وقالت إيفانا كيسيتش، التي ساهمت في تصميم اللعبة: "تُمكّن لعبة "أوديسة السلام" من التعلم الاجتماعي والعاطفي، وتشجع التفكير النقدي، وتُعزز قدرات الشباب على صنع السلام".
تُنفذ هذه المبادرة في إطار مشروع "الشباب من أجل الإدماج والمساواة والثقة" الإقليمي، ومشروع "لنقترب أكثر"، بدعم من صندوق بناء السلام التابع للأمين العام للأمم المتحدة، وبتمويل من حكومة إيطاليا.
"السلام يبدأ من أنفسنا، لكن من المستحيل الحفاظ عليه دون العمل مع الآخرين" - آنا تشوراك
في مقاطعة بودرينيه البوسنية، حيث لا تزال المجتمعات تعاني من آثار الحرب، لخصت عريفة مهيتش، البالغة من العمر 13 عامًا، آمال جيلها قائلةً: "يريد الشباب مستقبلًا خاليًا من الانقسامات والخوف والكراهية". في بلد لا يزال يتعلم كيفية بناء مستقبل مشترك، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية.