ولاية شمال كردفان، السودان - قال الدكتور حسن بابكر، في ولاية شمال كردفان السودانية: "من أصعب التجارب التي شهدتها خلال الحرب كانت حالة تلك الأم التي أنجبت ثلاثة توائم، جميعهم كانوا خدجاً واحتاجوا إلى رعاية مركزة".
"تم تحويلهم إلى مستشفى للأطفال، لكن لم تكن هناك أسرة متاحة. اضطررنا لمشاهدة اثنين من الأطفال يموتان أمام أعيننا."
الدكتور بابكر هو مدير مستشفى الأبيض للولادة، الذي تعرض لضغوط متزايدة حيث عشرات الآلاف من الناس يفرون من العنف الذي يجتاح ولاية جنوب كردفان المجاورة ، وكثير منهم ضعفاء وفي حاجة ماسة للرعاية الصحية.
لكن رغم أن هذا المستشفى هو مستشفى التحويل الوحيد في غرب السودان، إلا أن العاملين الصحيين يكافحون من أجل تقديم الرعاية في ظروف شديدة الصعوبة.
قال الدكتور بابكر لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وهو وكالة الأمم المتحدة المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية: "هناك نقص حاد في معدات العمليات الجراحية والولادة الطبيعية، فضلاً عن المستلزمات الأساسية مثل المضادات الحيوية والخيوط الجراحية والقفازات. وهذا ما يجبرنا على شرائها من السوق بأسعار باهظة للغاية".
تعرضت مدينة الأبيض لهجمات متكررة بطائرات مسيرة، استهدفت مرافق صحية متعددة، ما أسفر عن مقتل وإصابة عاملين صحيين ومرضى. ويخدم مستشفى الولادة حاليًا أكثر من 230 ألف نازح، معظمهم من النساء والفتيات اللواتي يواجهن العنف الجنسي والجوع والانعدام التام تقريبا للرعاية الصحية.
اقتباس: "لم تكن هناك أسرّة متاحة - اضطررنا لمشاهدة اثنين من الأطفال يموتان أمام أعيننا." - د. بابكر
في شهر شباط/فبراير، بلغ متوسط عدد المواليد في المستشفى 25 مولوداً يومياً، وهو ارتفاع حاد مقارنةً بالمعدل المعتاد البالغ 17 مولوداً يومياً. ومع ذلك، فإن النقص المستمر في الإمدادات، والاكتظاظ، وانقطاع التيار الكهربائي، وارتفاع تكاليف الوقود، كلها عوامل تجعل إجراء العمليات الجراحية للمرضى أمراً بالغ الصعوبة، بل ومستحيلاً في بعض الأحيان.
أزمة متفاقمة في صحة الأم
قام صندوق الأمم المتحدة للسكان بتركيب نظام طاقة شمسية للمساعدة في التخفيف من آثار انقطاع التيار الكهربائي في مستشفى الولادة، وأعاد تأهيل غرف الولادة، وقام بتدريب ونشر عاملين صحيين مهرة للمساعدة في خدمات التوليد وحديثي الولادة الطارئة.
قال الدكتور بابكر: "في السابق، لم يكن لدى المستشفى وحدة عناية مركزة لحديثي الولادة. في بداية عام 2026، افتتحنا واحدة بأربعة أسرّة فقط، وهي مشغولة باستمرار، ونحن بحاجة ماسة إلى توسيع طاقتها الاستيعابية".
كذلك حذّر من أن الظروف المتفاقمة تزيد من معدلات وفيات الأمهات. وأضاف: "لقد فقدنا مريضات بسبب طول فترات الانتظار. ورغم وجود غرفتي عمليات طوارئ، إلا أنهما خارج الخدمة حاليًا. وفي كثير من الحالات، تصل مريضات الطوارئ بينما جميع الغرف مشغولة، مما يؤدي أحيانًا إلى فقدان الأم أو الجنين".
وقالت القابلة ليلى سارفو إن حياة المواليد الجدد في خطر أيضاً. "لا توجد لدينا طاولات لوضع المواليد عليها، كما لا تتوفر لدينا معدات كافية لمكافحة العدوى في غرف الولادة. ووحدات تعقيم الأدوات الجراحية معطلة. ونفتقر إلى المستلزمات الأساسية مثل القطن والشاش المعقم، ولا نملك حتى ميزاناً للأطفال."
العاملون الصحيون تحت الضغط
يقدم صندوق الأمم المتحدة للسكان مساعدات نقدية وقسائم لتغطية تكاليف الإحالة، مثل الولادات والولادات القيصرية، إلا أن الأزمة تُصعّب على العاملين الصحيين أداء مهامهم. وأوضحت إنصاف، وهي قابلة مخضرمة: "الرواتب التي نتلقاها لا تكفي حتى لتغطية تكاليف المواصلات الأساسية أو الوجبات التي نحتاجها خلال نوبات عملنا".
ونظراً لقلة المعدات، يُطلب من المرضى في كثير من الأحيان شراء القفازات والمياه المعقمة والأدوية اللازمة لخدمتهم. وأضافت إنصاف: "في كثير من الأحيان، تصل النساء دون القدرة على شراء مستلزمات الولادة الأساسية، فنضطر إلى دفع ثمن هذه الأشياء من جيوبنا الخاصة".
ومع ذلك، فهي وزميلاتها مصممات على مواصلة تقديم الرعاية. وقالت إنصاف: "طوال فترة الحرب وحتى الآن، ما زلنا نستقبل النساء والفتيات النازحات من جميع الولايات. وتعمل بعض القابلات على مدار الساعة لتلبية الطلب المتزايد".
"نستمر في القدوم إلى المستشفى بدافع شعور عميق بالواجب - لم نتوقف عن العمل أبداً."
الاستجابة وسط الاحتياجات المتزايدة
دفعت قرابة ثلاث سنوات من الحرب الأهلية أكثر من 33 مليون شخص في السودان إلى حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية. وقد اتسم الصراع بعنف جنسي مروع، وعمليات اختطاف، وزواج الأطفال، حيث يكافح الناجون للوصول إلى أي ملاذات آمنة أو رعاية صحية.
اقتباس: "مستمرون بدافع شعور عميق بالواجب - لم نتوقف عن العمل أبداً." – القابلة إنصاف
في مخيم المعسكر الموحد المكتظ بالنازحين في جنوب كردفان، يدير صندوق الأمم المتحدة للسكان عيادة صحية متنقلة ومساحة آمنة للنساء والفتيات الناجيات أو المعرضات لخطر سوء المعاملة.
سلمى، البالغة من العمر 50 عاماً، تقيم في المخيم منذ ثمانية أشهر. قالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "النساء منهكات من الحرب. لقد ارتُكبت جرائم كثيرة ضدهن، بما في ذلك الاغتصاب. وفقدت الكثيرات أزواجهن. في هذا المخيم، لا يتجاوز عدد النساء اللواتي ما زلن مع أزواجهن أصابع اليد الواحدة".
بالنسبة لفتيات مثل إسماعيلية البالغة من العمر 16 عامًا، تؤثر الأزمة على جميع جوانب حياتهن تقريبًا، وعلى مستقبلهن. قالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان: "سافرنا على ظهور الحمير لمدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك نقلتنا الشاحنات إلى هنا. آمل أن أعود إلى بلدتي ومدرستي. أرجوكم اسمحوا لنا بإعادة بناء منزلنا والعودة".
يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان في جميع أنحاء البلاد لتوفير الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والحماية منه، فضلاً عن خدمات الصحة الجنسية والإنجابية. ولمواصلة دعم النساء والفتيات في عام 2026، يناشد الصندوق بشكل عاجل توفير 129 مليون دولار أمريكي، لم يُتعهد منها حتى الآن إلا بمبلغ 30 مليون دولار فقط.