ماليه، جزر المالديف – قالت عائشة شيماء شهاب، 20 عاماً، من جزر المالديف: "ما يقلقني بشأن المستقبل هو أن كل شيء أصبح أكثر تكلفة. الإيجار آخذ في الارتفاع وتكلفة المواد الغذائية ومنتجات النظافة في ارتفاع أيضًا. في الوقت الحالي، بالكاد أستطيع إعالة نفسي، لذا فإن تكوين أسرة أمر غير وارد".
تتكون جزر المالديف من أكثر من 180 جزيرة مأهولة، وقد شهدت تغيرات ديموغرافية سريعة على مدار الأربعين عامًا الماضية. وقد أثر التحضر والنمو السكاني والشيخوخة والهجرة على أنماط الاستهلاك وأسواق العمل وتوزيع الدخل.
كما أن هذه العوامل تعقد الوصول إلى الصحة والتعليم والسكن - وهي القضايا التي أظهرت دراسة جديدة لصندوق الأمم المتحدة للسكان أنها تؤثر في قرارات الشباب بخصوص الدخول في علاقة وإنجاب أطفال. وكانت القيود الاقتصادية والإسكانية هي العوائق الأكثر شيوعاً التي تحول دون الدخول في علاقات، حيث كان الأمن المالي هو الشرط الأول لكل من العلاقة والوالدية.
"في الوقت الحالي، بالكاد أستطيع إعالة نفسي، لذا فإن تكوين أسرة أمر مستحيل" – عائشة
وقالت ماشا، وهي تعمل نادلة، لصندوق الأمم المتحدة للسكان، وكالة الأمم المتحدة للسكان المعنية بالصحة الجنسية والإنجابية: "حتى لو كنت أرغب في الاستقرار، فإن الوضع الحالي في جزر المالديف يجبرني على تأجيل مثل هذه الخطط".
مع انخفاض معدل المواليد بشكل مطرد، تنتقل جزر المالديف من دولة ذات أغلبية شابة إلى دولة غالبية سكانها في منتصف العمر. وانخفض معدل الخصوبة الإجمالي من 2.8 في عام 2020 إلى 1.7 في عام 2022 – مما يمثل تحولا كبيرا في الاتجاهات الديموغرافية. بالنسبة للعديد من الشباب، فإن ارتفاع تكاليف المعيشة وتضاؤل توفر السكن يعني أنه يجب عليهم تحديد أي من أهداف حياتهم أولى بالتحقيق.
وقالت آشا حسين، مؤسسة منظمة محلية تدعم الأزواج والأسر والنساء اللاتي يعانين من مشاكل في الخصوبة: "في الماضي، كان الأطفال ينشأون بدعم من الأسرة الممتدة. واليوم، يضطر الكثيرون إلى تربية أطفالهم في أماكن صغيرة ومحصورة، غالبًا في منطقة ماليه الكبرى، بعيدًا عن هذا الدعم".
توازن غير متكافئ
ومع انتقال الأجيال الشابة إلى العاصمة بحثا عن فرص أفضل، تتقلص أعداد السكان في الجزر الأصغر حجما في جزر المالديف. في كل عام، يصل إلى ماليه حوالي 6000 شخص، ومع ذلك فإن أكثر من 70% من جزرها المأهولة بها أقل من 1000 ساكن - وهو ما يؤدي عمليًا إلى هجر ست جزر سنويًا.
وقال نشأت، وهو خريج حديث من المرحلة الثانوية: "حتى مع إقامتي هنا في جزيرتي الأصلية، مازال العثور على وظيفة أمراً صعباً". ويتفق أرزان مع ذلك قائلاً: "غالباً ما يعطي أصحاب العمل الأولوية للمرشحين ذوي الخبرة أو الشهادات ذات الصلة، حتى في وظائف المبتدئين. ما يدفع الكثيرين إلى بدء حياتهم المهنية في مجالات لا تمت لتخصصاتهم بصلة لمجرد اكتساب الخبرة".
ارتفع عدد النساء اللاتي يلتحقن بالتعليم العالي في جزر المالديف بشكل ملحوظ، بما يفوق عدد الرجال. . ورغم أن هذا التوجه يفتح آفاقاً اقتصادية واجتماعية أفضل للشابات، إلا أن الكثير من الخريجات لا يجدن أمامهن سوى أعمال الرعاية أو الوظائف غير الرسمية، في حين تقتصر المزايا وحمايات الضمان الاجتماعي—كالمرتبات التقاعدية—على قطاعات العمل الرسمية.
قالت رئيفة (18 عاما) التي تخرجت مؤخرا من الثانوية: "يطمح خريجو اليوم إلى استكمال تعليمهم العالي وتأمين وظائف بدخل مرتفع، غير أن تحقيق هذا النمط من الحياة يبدو شبه مستحيل داخل هذه الجزر".
استقرار الوظيفي يلبي تطلعات الأسرة
تُظهر أحدث البيانات الخاصة بجزر المالديف أن 48% من النساء يعملن، لكنهن لا يُمثلن سوى 3% من إجمالي العاملين في قطاع السياحة المهيمن في البلاد. ولا يُتيح هيكل هذا القطاع التنقل اليومي بين المنتجعات والمنازل الأسرية، ما يفرض على الموظفين قضاء أيام وأسابيع، بل وأحيانًا شهور، بعيدًا عن منازلهم.
أوضحت عائشة نورين جناح، التي ترأس مؤسسة قندوفة الخيرية المحلية المعنية بالشباب والنساء، أن "نموذج الجزيرة الواحدة والمنتجع الواحد كان محوريًا للسياحة في جزر المالديف منذ بدايتها، ولكن لا توجد ترتيبات لرعاية الأطفال أو المعيشة العائلية داخل سكن الموظفين في الموقع".
وأضافت: "يعني ذلك أنه بمجرد دخول الشابات هذا القطاع وتكوين أسر، فإنهن يُجبرن غالباً على ترك العمل بعد الولادة".
وبالفعل فإن حوالي 40 في المائة من الشابات في المالديف لا يشاركن حاليًا في العمل أو التعليم أو التدريب؛ وبالنسبة للفتيات الصغيرات، تشكل هذه القيود على التنقل عوائق إضافية أمام تحقيق أهداف حياتهن.
ومن جانبها، أكدت شادية إبراهيم، رئيسة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في جزر المالديف، أن "تهيئة بيئة عمل ملائمة للأسرة أمرٌ ضروري". وأوضحت أن لاستيعاب الشباب الطموحين والمتعلمين الذين يرغبون في الجمع بين العمل في القطاع المهيمن في البلاد وتكوين أسر، يمكن تشجيع المنتجعات على ضمان "إتاحة فرص العمل بالقرب من الجزر الأصلية، مع توفير وسائل مريحة للعودة في أيام الإجازة".
"بمجرد دخول الشابات هذا القطاع وتكوين أسر، فإنهن يُجبرن غالبًا على ترك العمل بعد الولادة". – السيدة إبراهيم
كما يمكن استحداث أنظمة تمكن العاملين من تحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة الشخصية. وأضافت السيدة إبراهيم: "في المشاريع القادمة لتطوير المنتجعات، يمكن إنشاء مجتمعات سكنية متكاملة ومرافق لرعاية الأطفال وإقرار سياسات مناوبة أكثر مرونة".
الشباب مهندسو المستقبل
وكما هو الحال في الدول الجزرية الصغيرة النامية والدول الآسيوية الأخرى، هناك حاجة إلى سياسات اجتماعية واقتصادية مبتكرة لدعم التنمية المستدامة عبر جميع الأجيال. يقود صندوق الأمم المتحدة للسكان الجهود الرامية إلى توفير خدمات الصحة الإنجابية الشاملة وتزويد الشباب المالديفي بالمهارات الحياتية الأساسية، وإعدادهم لسوق العمل، ومرحلة الرشد، مع إتاحة مساحات حرة للاختيار.
وقالت السيدة إبراهيم: "بما أن الشباب هم عماد المستقبل، فمن الضروري إزالة التحديات التي تعترض طريقهم".
ومن خلال الدعوة إلى إشراك الشباب في عمليات صنع القرار وفي القضايا التي تمس واقعهم، يهدف صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى إيجاد بيئة مجتمعية أكثر دعمًا وتحفيزًا لنموهم وتمكينهم.