مقدمـة الفصل 5
الفصل 1 الفصل 6
الفصل 2 حواشي
الفصل 3 حواشي الأطر
الفصل 4 المؤشرات
صيغة صالحة للطباعة
بنات صغيرات يلعبن في مبنى في كابول، بأفغانستان. وهو يؤوي 105 أسر مهاجرين باكستانيين تكافح يومياً لتدبر نقوداً لشراء الطعام.) لانا سليزيك/بانوس بيكتشرز مقـدمـة

 
 

إمعان النظر في فجر ألفية حضرية

فى عام 2008، يبلغ العالم مرحلة تاريخية غير مرئية ولكنها خطيرة: فلأول مرة في التاريخ، سيعيش أكثر من نصف سكانه من البشر، أي 3.3 بلايين شخص، في مناطق حضرية. وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يبلغ عدد أولئك السكان ما يقرب من 5 بلايين. وسيكون كثيرون من سكان الحضر الجدد فقراء. وكل من مستقبلهم، ومستقبل مدن البلدان النامية، ومستقبل البشرية ذاته، سيتوقف إلى حد كبير على القرارات التي تتخذ الآن استعداداًً لهذا النمو السكاني.

ومع أن سكان الحضر في العالم قد زاد عددهم زيادة سريعة، (من 220 مليوناً إلى 2.8 بليون) على امتداد القرن العشرين، ستشهد العقود القليلة المقبلة نمواً حضرياً غير مسبوق في العالم النامي. وهذا النمو سيكون ملحوظاً على وجه الخصوص في أفريقيا وآسيا حيث سيتضاعف عدد سكان الحضر خلال الفترة ما بين عام 2000 وعام 2030: أي أن نمو سكان الحضر في هاتين المنطقتين على امتداد التاريخ كله سيتكرر في حياة جيل واحد. وبحلول عام 2030 ستشكل بلدات ومدن العالم النامي 81 في المائة من عدد سكان الحضر.

والتحضر – أي زيادة حصة سكان الحضر بين مجموع عدد السكان – حتمي، ولكنه يمكن أيضاً أن يكون إيجابياً. والتركُّز الحالي للفقر ونمو العشوائيات والخلل الاجتماعي في المدن يرسم صورة تهدد بالخطر. إلا أن ما من بلد في العصر الصناعي حقق قدراً كبيراً من النمو الاقتصادي بدون التحضر. فالمدن تركز الفقر، ولكنها تمثل أيضاً أفضل أمل للإفلات من براثنه.

وتجسد المدن أيضاً الضرر البيئي الذي ينجم عن الحضارة الحديثة؛ إلا أن الخبراء وواضعي السياسات يتزايد إدراكهم لما يمكن أن تنطوي عليه المدن من قيمة من منظور الاستدامة على المدى الطويل. فإذا كانت المدن تتسبب في مشاكل بيئية، فإنها تحتوي أيضاً على الحلول. وفوائد التحضر المحتملة تفوق بكثير مساوءه: ويتمثل التحدي في معرفة كيفية استغلال إمكانيات ذلك التحضر.

وفي عام 1994 دعا برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الحكومات إلى "تلبية احتياجات جميع المواطنين، ومن بينهم المستقطنون في الحضر، فيما يتعلق بالسلامة الشخصية والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وإلى القضاء على المشاكل الصحية والاجتماعية ..."(1) وفي وقت أقرب عهداً، وجه إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الانتباه إلى تزايد أهمية الفقر الحضري، محدداً، في الهدف 11، المطمح المتواضع المتمثل في أن يتحقق بحلول عام 2020 "تحسن كبير في حياة 100 مليون شخص على الأقل من سكان الأحياء الفقيرة".(2)

ونجح منتدى موئل الأمم المتحدة الحضري العالمي الثالث، وكذلك تقريره المعنون حالة مدن العالم 2006/2007، في تركيز اهتمام العالم على تدهور الأوضاع الاجتماعية والبيئية في المناطق المحلية الحضرية.(3) ووجهت أيضاً عملية العولمة الانتباه إلى ما تنطوي عليه المدن من إمكانات إنتاجية وإلى التكلفة البشرية. إلا أن النطاق الهائل للتحضر في المستقبل وتأثيره لم يخترقا أذهان الجمهور.

فالاهتمام الذي تحقق حتى الآن قد انصب في معظمه على الشواغل المباشرة، أي على مشاكل من قبيل كيفية إيواء الفقراء وتحسين ظروف المعيشة؛ وكيفية توليد فرص للعمل؛ وكيفية الحد من التأثير الإيكولوجي للمدن؛ وكيفية تحسين الحوكمة؛ وكيفية إدارة النظم الحضرية التي يتزايد تعقيدها.

وهذه مسائل من الواضح أهميتها جميعاً، ولكنها تنكمش بالمقارنة بالمشاكل التي يثيرها النمو المستقبلي الوشيك لعدد سكان الحضر. وحتى الآن كان واضعو السياسات يكتفون وكانت منظمات المجتمع المدني تكتفي بردود الفعل في حالة نشوء تحديات. ولكن هذا لم يعد كافياً. فمن اللازم اتباع نهج استباقي إذا كان المراد للتحضر في البلدان النامية أن يساعد على حل المشاكل الاجتماعية والبيئية، بدلاً من أن يجعلها أسوأ بطريقة كارثية.

ومن ثم يحاول هذا التقرير أن يتطلع إلى ما يتجاوز المشاكل الحالية، رغم كونها مشاكل حقيقية وعاجلة وحادة. فهو دعوة إلى العمل. ويحاول التقرير التعبير عن تأثيرات التضاعف الوشيك في عدد سكان الحضر في العالم النامي ويناقش ما يلزم عمله للاستعداد لهذه الزيادة الهائلة. كما أنه يفحص عن كثب بدرجة أكبر العمليات الديمغرافية الكامنة وراء النمو الحضري في المناطق النامية وأثرها على صعيد السياسات. ويتناول التقرير تحديداً عواقب التحول الحضري من حيث الحد من الفقر ومن حيث القدرة على الاستدامة. وهو يستعرض الأوضاع والاحتياجات المختلفة لنساء ورجال الحضر الفقراء، والعقبات التي يواجهونها في سعيهم إلى المطالبة بحقوقهم وتحقيق إمكاناتهم كأعضاء منتجين في العالم الحضري الجديد.

وبينما نالت المدن الضخمة معظم الاهتمام، تستدعي الأوضاع في المناطق الحضرية الأصغر مزيداً من الاهتمام. فعلى النقيض من الاعتقاد السائد بوجه عام، من المرجح أن يحدث معظم النمو السكاني الحضري في المدن والبلدات الأصغر، التي قد تكون قدراتها على التخطيط والتنفيذ أضعف بمراحل. إلا أن عملية تحقيق لامركزية السلطات الحكومية، وهي عملية تجري على نطاق العالم، تلقي بمزيد من المسؤولية على تلك المدن والبلدات الأصغر. فمع زيادة عدد سكان المدن الأصغر تتعرض قدراتها الإدارية والتخطيطية الهزيلة لضغوط متزايدة. وسيتعين إيجاد سبل لتأهيل تلك المدن للتخطيط مسبقاً للتوسع السكاني فيها، ولاستخدام مواردها استخداماً مستداماً، ولتقديم الخدمات الأساسية.

ومن ملاحظات التقرير الأساسية أن الفقراء سيشكلون قطاعاً كبيراً من النمو الحضري في المستقبل. وهذه الحقيقة البسيطة كانت موضع تجاهل بوجه عام، وذلك بتكلفة باهظة. فمعظم النمو الحضري ينبع الآن من الزيادة الطبيعية في عدد السكان (أي زيادة عدد المواليد عن عدد الوفيات) أكثر مما ينبع من الهجرة. ولكن أياً كان مصدر ذلك النمو فإن نمو المناطق الحضرية يشمل أعداداً هائلة من الفقراء. وتجاهل هذه الحقيقة الأساسية سيجعل من المستحيل التخطيط للنمو الحتمي والهائل الذي سيحدث في المدن، أو استخدام العوامل الدينامية الحضرية للمساعدة على التخفيف من وطأة الفقر.

وعندما يدرك ويتقبل واضعو السياسات والمجتمع المدني التكوين الديمغرافي والاجتماعي للنمو الحضري، تطرح بعض النُهج والمبادرات الأساسية نفسها تلقائياً. وهذه النُهج والمبادرات يمكن أن يكون لها تأثير هائل على مصير الفقراء وعلى قدرة المدن نفسها على الصمود. ورسالة هذا التقرير التي تتخلله كله واضحة وهي: أن باستطاعة الحكومات على الصعيدين الحضري والوطني، إلى جانب المجتمع المدني، وبدعم من المنظمات الدولية، اتخاذ خطوات الآن ستُحدث فارقاً هائلاً في الأوضاع المعيشية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لغالبية سكان العالم.

وتبرز ثلاث مبادرات في هذا الصدد على صعيد السياسات. أولاً، يتطلب الاستعداد لمستقبل حضري، كحد أدنى، احترام حقوق الفقراء فيما يتعلق بالمدينة. وكما يبين الفصل 3، مازال كثيرون من واضعي السياسات يحاولون منع النمو الحضري بالثني عن الهجرة من الريف إلى الحضر، وذلك باتباع أساليب من قبيل طرد المستقطنين وحرمانهم من الخدمات. وهذه المحاولات الرامية إلى منع الهجرة هي محاولات عقيمة، ونتائجها عكسية، والأهم من ذلك أنها خاطئة، وتشكل انتهاكاً لحقوق البشر. فإذا كان واضعو السياسات يجدون أن معدلات النمو الحضري شديدة الارتفاع، فإن أمامهم خيارات فعالة تحترم أيضاً حقوق الإنسان. وإحراز أوجه تقدم فيما يتعلق بالتنمية الاجتماعية، من قبيل العمل على تحقيق الإنصاف والمساواة بين الجنسين، وإتاحة التعليم للجميع، وتلبية الاحتياجات المتعلقة بالصحة الإنجابية، هو أمر هام بحد ذاته. ولكنه سيمكِّن أيضاً المرأة من تجنب الخصوبة غير المرغوبة ومن ثم سيؤدي إلى الحد من العامل الرئيسي فيما يتعلق بنمو سكان الحضر، وهو الزيادة الطبيعية في عدد السكان.

ثانياً، تحتاج المدن إلى رؤية أطول أجلاً وأوسع نطاقاً بشأن استخدام الحيز الحضري للحد من الفقر وتحقيق القابلية للاستدامة. وهذا ينطوي على دواعي قلق صريح بشأن احتياجات الفقراء للأراضي. فبالنسبة للأسر الفقيرة، من الجوهري أن تكون لديها قطعة أرض كافية – مع توافر إمكانية حصولها على المياه والصرف الصحي والكهرباء والوصول إلى وسائل النقل – يمكن أن تبني عليها منازلها وتحسن حياتها: وهذا يتطلب اتباع نهج جديد واستباقي. والتخطيط لتلبية هذه الاحتياجات المكانية والمتعلقة بالبنية التحتية، مع مراعاة الأدوار والاحتياجات المتعددة للنساء الفقيرات، من شأنه أن يؤدي إلى حدوث تحسن كبير في رفاه الأسر الفقيرة. وهذا النمط من التنمية المتمحورة حول الناس يؤدي إلى تماسك النسيج الاجتماعي ويشجع النمو الاقتصادي الذي يشمل الفقراء.

كذلك، تتطلب حماية البيئة وإدارة خدمات النظم الإيكولوجية في إطار التوسع الحضري مستقبلاً إدارة الحيز إدارة هادفة قبل تلبية الاحتياجات. وذلك لأن "التأثير الحضري" يتجاوز بكثير حدود المدن. فالمدن تؤثر في الاعتبارات البيئية الأوسع نطاقاً وتتأثر بها. كما أن السياسات الاستباقية لتحقيق القابلية للاستدامة ستكون هامة بالنظر إلى تغير المناخ ووجود نسبة كبيرة من سكان الحضر مركزة عند مستوى البحار أو بالقرب منه.

ثالثاً، يمكن للمؤسسات السكانية والأخصائيين السكانيين القيام بدور أساسي في دعم المنظمات المجتمعية، والحركات الاجتماعية، والحكومات، والمجتمع الدولي، في تحسين طبيعة وشكل التوسع الحضري مستقبلاً، مما يعزز القدرة على الحد من الفقر وتحقيق القابلية للاستدامة البيئية. ومن الجوهري بذل جهد دولي متضافر في هذه المرحلة الحرجة لإيضاح الخيارات في مجال السياسات ولتوفير معلومات وتحليلات تدعم الاستراتيجيات الرامية إلى تحسين مستقبلنا الحضري.


CONTENTS