|
نهج مفيد بوجه عام: التنمية الاجتماعية والنمو الحضري
لقد وصف هذا التقرير مراراً النمو الحضري الهائل في المناطق النامية بأنه "حتمي". فالتلاقي والقصور الذاتي بين اثنتين على الأقل من العمليات المسيطرة ـ وهما العولمة بعواقبها الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة، والنمو السكاني في المناطق الريفية والحضرية ـ يجعلان النمو الحضري أمراً لا يمكن اجتنابه أثناء العقود المقبلة. وهذه هي الحالة على وجه الخصوص في أفريقيا وآسيا.
إلا أن سرعة وحجم هذا النمو الحضري الحتمي ليسا ثابتين. فلو استطاع واضعو السياسات أن يحدوا من كثافة النمو السكاني، فسوف يتاح لهم مزيد من الوقت لتلبية الاحتياجات الحالية مع الاستعداد للتعامل مع الزيادات التي تحدث مستقبلاً في عدد سكان الحضر.
وحتى الآن، كانت محاولات إبطاء النمو الحضري تركز حصرياً تقريباً على الحد من الهجرة من الريف إلى الحضر، ولكنها نادراً ما نجحت. فالمهاجرون يستمر توافدهم على المدن لأنهم يتصورون، وهم محقون في ذلك، أن الموائل الحضرية تتيح مزيداً من الخيارات، على الرغم من كل سلبياتها.
ولا تعالج محاولات إبطاء الهجرة من الريف إلى الحضر العنصر الديمغرافي الرئيسي من عناصر النمو الحضري، وهو الزيادة الطبيعية في عدد سكان المناطق الحضرية (وكذلك في المناطق الريفية بطريقة غير مباشرة). فمع ارتفاع مستويات التحضر، تمثل الزيادة الطبيعية نسبة متزايدة من النمو الحضري كله. وهذا النمط يتيح لواضعي السياسات فرصة غير مستغلة ومفيدة بوجه عام، هي: خفض معدل الزيادة الطبيعية بتحسين أوضاع الفقراء الاجتماعية وبتعزيز حقوق المرأة.
وخفض الزيادة الطبيعية معناه تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفقراء، وكفالة توافر خدمات جيدة في مجال الصحة الإنجابية لهم بثمن يقدرون عليه، وتمكين المرأة. وهذه التدخلات تؤثر، معاً، على أفضليات الأفراد من حيث الخصوبة وقدرتهم على تحقيقها. فالتنمية تمكِّن من ممارسة حقوق الإنسان وتمنح الناس سيطرة أكبر على حياتهم.
وتوجد أيضاً صلة إيجابية واضحة بين التنمية، وتمكين المرأة، والقدرة على تنظيم الأسرة بفعالية. فالمرأة التي تستطيع أن تقرر لنفسها عدد الأطفال الذين تنجبهم والسنوات الفاصلة بين إنجاب كل طفل والآخر تكون لديها حرية أكبر تتيح لها أن تمارس العمل وأن تتعلم وأن تمارس أنشطة مجتمعية وأن تكسب دخلاً خارج المنزل(6).
والحد من الفجوة بين الجنسين في مجالي التعليم والصحة، وتوسيع نطاق الفرص المتاحة أمام المرأة للحصول على عمل أكثر تنوعاً وأفضل أجراً، من شأنهما تشجيع النمو الاقتصادي. وارتفاع الدخل، بدوره، يحد من انعدام المساواة بين الجنسين، ولكنه لا يزيل جميع العقبات التي تحول دون مشاركة المرأة وتنميتها.
 |
|
إن ما يقرب من خُمس النساء المتزوجات في البلدان النامية لديهن حاجة غير ملباة إلى خدمات تنظيم الأسرة. وهذه الحاجة أكبر بأكثر من الضعف لدى المراهقات عنها بين السكان بوجه عام. وهي مازالت كبيرة للغاية في معظم المناطق التي تتسم بانخفاض معدل شيوع تلك الخدمات فيها أكثر من غيرها من المناطق. وقد أدى ارتفاع مستوى الحاجة غير الملباة إلى وسائل فعالة لتنظيم الأسرة إلى ما يتراوح ما بين 70 إلى 80 مليون حالة حمل غير مقصودة كل عام في البلدان النامية. ومن الممكن أن تؤدي تلبية هذه الأفضليات إلى الحد من التعرض للمخاطر المتعلقة بالصحة الإنجابية وأن تتيح إمكانيات للشابات فيما يتعلق بالتعليم والعمالة والمشاركة الاجتماعية(1).
وهذه الاستنتاجات ذات أهمية كبيرة فيما يتعلق بالنمو الحضري. فما الذي سيحدث، مثلاً، إذا استطاع فقراء الحضر أن يحققوا المستويات التي يرغبونها من حيث الخصوبة؟ تشير عملية تصويرية إلى أن ذلك من شأنه أن يُحدث فارقاً كبيراً في معدل نمو سكان الحضر في البلدان النامية(2). فقد استُخدمت بيانات مسح ديمغرافي وصحي مستمدة من بلدين (بنغلاديش في عام 2004، وكولومبيا في عام 2005) لتقدير ما يحدث من حيث الخصوبة لو أتيحت للمرأة إمكانية مثالية للحصول على خدمات الصحة الإنجابية ولو حققت حجم الخصوبة الذي ترغبه.
وفي ظل هذه الظروف، توقعت كولومبيا أن ينخفض النمو في عدد سكان الحضر خلال الفترة الممتدة من عام 2005 إلى عام 2025 من متوسط قدره 1.66 في المائة سنوياً إلى 1.21 في المائة سنوياً وأن ينخفض نمو عدد سكان الريف لديها من –0.20 في المائة إلى –0.83 في المائة.
وفي بنغلاديش، سينخفض معدل النمو الحضري المتوقع من 3.38 في المائة إلى 3.05 في المائة وسينخفض معدل النمو الريفي لديها أكثر حتى من ذلك، من 0.80 في المائة إلى 0.39 في المائة، أثناء تلك الفترة. ومن الواضح أن انخفاض معدل الزيادة الطبيعية في عدد سكان الريف من شأنه أن يسهم في الحد من الهجرة من الريف إلى الحضر. وهذه المحاكاة ليست على الإطلاق تصويراً مثالياً للواقع، ولكنها موحية مع ذلك.
وحدوث ارتفاع في سن الزواج من شأنه أيضاً أن يكون له تأثير على الزيادة الطبيعية في عدد السكان. ففي بعض البلدان النامية، يحدث الإنجاب في إطار الزواج، مما يجعل سن الزواج مؤشراً أساسياً لاحتمالات الحمل. وعلى وجه الإجمال، تُنجب 90 في المائة من الشابات، ممن تتراوح أعمارهن من 20 إلى 24 عاماً، أول مولود لهن بعد الزواج. وفي البلدان النامية، يحدث ما يتراوح بين نصف وثلاثة أرباع جميع الولادات الأولى لدى النساء المتزوجات في غضون العام الأول أو العامين الأولين من الزواج(3). ويمكن توقُّع أن يكون لحدوث زيادة في متوسط العمر عند الزواج تأثير هام من حيث تدني الخصوبة.
|
وكثيراً ما كانت أوجه التقدم التي تحققت في هذا المجال مخيبة للآمال. فمازالت المرأة ممثلة بين الفقراء تمثيلاً غير متناسب. وقد يكون للتحرير الاقتصادي، على وجه الإجمال، تأثير سلبي على الحد من الفقر بوجه عام وعلى المرأة بوجه خاص(7). وتطور قطاع الصحة مخيب للآمال على وجه الخصوص(8). وعلاوة على ذلك، وجدت دراسة أجراها البنك الدولي أن الخدمات المتعلقة بالصحة الإنجابية أكثر غبناً من أي مجموعة أخرى من الخدمات(9). وقطاعات الصحة العامة التي يُقصد بها أن تحمي النساء الفقيرات تخذل أولئك النساء في أنحاء كثيرة من العالم النامي(10). ومن ثم ليس مما يدعو إلى الدهشة أن خصوبة المرأة الحضرية الفقيرة أعلى كثيراً بالمقارنة بالمرأة الحضرية غير الفقيرة. وعلاوة على ذلك، في نطاق الأسرة المعيشية، يحد الفقر من القدرة على المساومة لدى المرأة التي قد لا تكون لديها القدرة على تنفيذ أفضلياتها وذلك على العكس من زوجها. وهذا يؤثر أيضاً على إمكانية الحصول على معلومات وخدمات الصحة الإنجابية(11).
ولقد أدرك واضعو السياسات مزايا إبطاء النمو الحضري، ولكنهم لم يدركوا تكاليف الجهود الرامية إلى منع الهجرة من الريف إلى الحضر، ونواحي القصور في تلك الجهود. فالنجاح في الحد من النمو الحضري لا يتوقف على تقييد حق الناس في الهجرة، بل على تمكين الناس وتيسير ممارسة حقوقهم الإنسانية، ومن بينها الحق في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية.
|