|
يتيح التحضر فرصاً كبيرة للحد من الفقر وتحقيق المساواة بين الجنسين، وأيضاً لتحقيق التنمية القابلة للاستدامة. ومع ذلك، بدون اتباع نُهُج فعالة استعداداً للزيادة الهائلة التي ستحدث في عدد الفقراء، سيتضاعف عدد العشوائيات الفقيرة وسيستمر تدهور الأحوال المعيشية. فلو استمر التوسع غير المحكوم في الحدود الخارجية الحضرية في المدن، والاستخدام العشوائي للموارد واستهلاكها بلا ضابط، بدون إيلاء المراعاة للضرر الإيكولوجي الذي ينجم عن ذلك، فإن المشاكل البيئية المرتبطة بالمدن سيستمر تفاقمها.
كيف يتسنى للمدن أن تتجنب النكبة وتحقق أقصى استفادة ممكنة من الفرص الموجودة لديها؟ إن الأمل معقود، بدرجة متزايدة، على أن تكون الإجابة هي تحسين الحكم الحضري.
ومصطلح "الحكم الحضري"، الذي كان مرادفاً في السابق لمصطلح "الإدارة الحضرية"، أصبح يُفهم على أنه يعني كلاً من المسؤولية الحكومية والمشاركة المدنية(2). وهو يشير، بوجه عام، إلى العمليات التي تستجيب بها أجهزة الحكم المحلي الحضرية ـ في شراكة مع أجهزة عامة أخرى وقطاعات مختلفة من المجتمع المدني ـ بفعالية للاحتياجات المحلية بطريقة تشاركية وشفافة وخاضعة للمساءلة.
والحكم الرشيد سيكون حقاً أساسياً في مستقبلنا الحضري؛ ولكن شواغله وآفاقه التخطيطية يجب أن تتجاوز الاحتياجات الحالية. ففي كثير من البلدان النامية، لا تمثل المشاكل الحضرية الموجودة الآن سوى البداية. ومع استمرار العولمة، سيكون النمو الحضري الهائل في المستقبل حتمياً وضرورياً على حد سواء، ولكن طريقة النمو هي التي ستمثل كل الفارق. فالمدن بحاجة إلى استراتيجية أطول أجلاً من أجل التغير المتوقع.
ولقد أوضح هذا التقرير مراراً أن الاستجابات الفعالة للتحدي الحضري يجب أيضاً أن تضيف بعداً مكانياً لهذه الرؤية الأطول أجلاً. ولذا، يُعتبر إدماج الشواغل الاجتماعية والبيئية الخاصة بالنمو الحضري في إطار رؤية زمنية ومكانية أوسع نطاقاً أمراً حاسم الأهمية لأغراض القابلية للاستدامة.
وستؤثر عمليات عديدة على ممارسة الحكم الحضري. وجميعها يشدد على مسؤولية أجهزة الحكم المحلي، وهي عادة أضعف حلقة في القطاع العام(3) .
فأولاً، يؤدي تزايد عولمة العلاقات الاقتصادية إلى نقل قدر من التجارة والإنتاج، ومن النمو الاقتصادي بالتالي، بعيداً عن أكبر المدن. ويتاح للحكومات المحلية خيار أن تستفيد من مزاياها النسبية والمكانية وأن تساعد بالتالي الشركات المحلية على جذب استثمارات أجنبية مباشرة إلى مدنها.
ثانياً، تُسند الحكومات الوطنية بعض صلاحياتها وكذلك سلطتها المتعلقة بتحصيل إيرادات إلى أجهزة الحكم المحلي في معظم البلدان النامية. وهذا يتيح فرصاً جديدة لأجهزة الحكم المحلي للقيام بدور أنشط في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
ثالثاً، أدت زيادة الاهتمام بحقوق الإنسان وتزايد دور المجتمع المدني، إلى جانب التحركات صوب الديمقراطية والتعددية السياسية، إلى إسناد مزيد من المسؤولية إلى مؤسسات المستوى المحلي في كثير من البلدان(4). وهذا الاتجاه صوب الديمقراطية يساعد على تعزيز الحكم الحضري بزيادة المشاركة الشعبية وإخضاع الإدارة المحلية لمزيد من المساءلة.
وأخيراً، تصبح هذه الاتجاهات صوب إضفاء الطابع المحلي واللامركزي أكثر أهمية لأن نصف كل النمو الديمغرافي الحضري يحدث في المحليات الصغيرة. وهذه المحليات لديها ميزة المرونة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالقضايا الهامة، من قبيل استخدام الأراضي، والبنية التحتية والخدمات، ومن الأيسر أن تكون فيها مشاركة شعبية ورقابة سياسية. ومن الناحية الأخرى، تكون الموارد موجودة لدى تلك المحليات عادة أقل مما يجب ويكون التمويل الموجود لديها أقل مما يجب. وهي تفتقر أيضاً إلى معلومات هامة وإلى القدرة الفنية اللازمة لاستخدامها.
ونطاق التحدي الذي ينشأ عن هذه الاتجاهات المتلاقية واضح، وهو: أن من اللازم عمل الكثير من أجل تحويل إمكانات التحضر إلى حقيقة واقعة. والقيام بذلك يستدعي رؤية أوسع نطاقاً. وتحتاج المحليات الصغيرة على وجه الخصوص إلى مساعدة. وهذه الشواغل ستكون موضوع القسم التالي.
ما الذي يمكن القيام به؟
باستطاعة المنظمات الدولية، ومن بينها صندوق الأمم المتحدة للسكان وموئل الأمم المتحدة، القيام بثلاثة أشياء على الأقل لمساعدة الحكومات الوطنية وأجهزة الحكم المحلي، وكذلك حركات المجتمع المدني، على تحقيق مستقبل أفضل للمدن وسكانها في العالم النامي.
فأولاً، باستطاعتها المساعدة على إحداث التغييرات الضرورية في رؤية السياسات وذلك بالتأثير على المخططين وواضعي السياسات في البلدان النامية لكي يقبلوا النمو الحضري كأمر حتمي ولكي يتبعوا نُهجاً أكثر استباقاً وإبداعاً. وهذه النُهج ينبغي أن تستفيد من جهود الأفراد الفقراء والجماعات الفقيرة الرامية إلى الحصول على منازل أكثر أمناً وصحية بدرجة أكبر والحصول على سبل للرزق أوفر دخلاً في المراكز الحضرية، بدلاً من أن تثبط هذه الجهود.
ثانياً، باستطاعتها أن تساعد على بيان وسيلة أفضل للحد من معدلات النمو الحضري، مما يتيح لواضعي السياسات مجالاً أكبر للتصدي للمشاكل الحضرية. وأفضل سبيل لمعالجة العنصر الرئيسي في هذا النمو في البلدان النامية حالياً ـ وهو الزيادة الطبيعية في عدد السكان ـ هو عن طريق الحد من الفقر، وتعزيز حقوق المرأة، وتحسين خدمات الصحة الإنجابية.
ثالثاً، باستطاعة المنظمات الدولية أن تساعد واضعي السياسات ومختلف قطاعات المجتمع المدني على اتخاذ قرارات أفضل بشأن المستقبل الحضري وذلك بتشجيعهم على استخلاص واستخدام معلومات ديمغرافية اجتماعية متينة.
رؤية للمستقبل الحضري
إن التعامل بفعالية مع النمو الحضري المتوقع سيتطلب عقلية منفتحة. فالقرائن تشير بدرجة ساحقة إلى ضرورة قبول واضعي السياسات على جميع المستويات في البلدان النامية للتحضر كحليف محتمل في الجهود الإنمائية. وتلزم إقامة حوار بشأن السياسات يستند إلى قرائن وذلك لمساعدتهم على الاقتناع بأن التحضر ليس حتمياً فحسب بل قد يكون أيضاً عاملاً مؤثراً إيجابياً. ومن بين الحجج الأساسية في هذا الصدد ما يلي:
تتسم المدن بمزايا هامة:
-
على الرغم من أن التركُّز الحضري يؤدي إلى زيادة وضوح الفقر والتقلب السياسي، فإن له مزايا محددة بالمقارنة بالتشتت. وهذه المزايا هي مزايا اقتصادية واجتماعية وبيئية ومزايا ديمغرافية
-
المنافسة الاقتصادية يتزايد اكتسابها طابع العولمة؛ والمدن أقدر على الاستفادة من فرص العولمة وتوليد فرص للعمل ودخل لعدد أكبر من الناس.
-
المدن أقدر على توفير التعليم والرعاية الصحية ـ وكذلك خدمات ومنافع أخرى ـ بسبب مزاياها من حيث الحجم والقرب. ويفسر سوء الحكم، والقرارات التي يكون الدافع إليها هو موقف سلبي إزاء التحضر وإزاء النمو الحضري، السبب في عدم تحقق هذه المزايا دائماً.
-
يساعد التحضر على كبح التدهور البيئي بإتاحته منفذاً لنمو سكان الريف الذي من شأنه لولا ذلك أن يتعدى على الموائل الطبيعية ومناطق التنوع البيولوجي. والمدن أكثر تلويثاً من المناطق الريفية، لمجرد أنها تولِّد معظم النمو الاقتصادي لأي بلد وتركِّز معظم مستهلكيه ميسوري الحال. ولكن من الممكن الإقلال إلى أدنى حد من كثير من المشاكل البيئية عن طريق تحسين الإدارة الحضرية.
-
من الزاوية الديمغرافية، يؤدي التحضر إلى تسريع تدني الخصوبة وذلك بتيسير ممارسة الحقوق المتعلقة بالصحة الإنجابية. ففي المناطق الحضرية، تؤدي المطامح الاجتماعية الجديدة، ويؤدي تمكين المرأة، إلى حدوث تغيير في العلاقات بين الجنسين، وإلى تحسُّن الأحوال الاجتماعية، وارتفاع جودة خدمات الصحة الإنجابية، وتحسين إمكانية الحصول على تلك الخدمات، وكل هذا في صالح الحد من الخصوبة على وجه السرعة.
تصحيح السياسات فيما يتعلق بكبح النمو الحضري:
-
إن معظم النمو الحضري يحدث في المدن الصغيرة والمتوسطة الحجم. وهذا الاتجاه سيستمر في المستقبل المنظور. وكما أُشير آنفاً، تعتبر قضايا الحكم في هذه المدن بالغة الأهمية. فالمدن الصغيرة والمتوسطة لديها مرونة أكبر فيما يتعلق بالتعامل مع النمو السريع ولكن مواردها أقل. ومن ثم تلزم زيادة التركيز على مساعدة هذه المدن على أن تنمو بطريقة قابلة للاستدامة.
-
العنصر الرئيسي من عناصر النمو الحضري ليس عادة الهجرة من الريف إلى الحضر بل هو الزيادة الطبيعية في عدد السكان في المدن نفسها. وأجدى سبيل لخفض معدلات النمو الحضري هو خفض الخصوبة غير المرغوبة في كل من المناطق الحضرية والمناطق الريفية. فالفقر، المقرون بالتمييز بين الجنسين وبوجود معوقات اجتماعية وثقافية، يشكل أفضليات فقراء الحضر من حيث الخصوبة ويحد من إمكانية حصولهم على خدمات جيدة في مجال الصحة الإنجابية.
-
لا التاريخ ولا التجربة في الآونة الأخيرة يؤيدان على أي نحو فكرة أن الهجرة الحضرية يمكن وقفها أو حتى إبطاؤها إلى حد كبير. ومعارضة الهجرة ورفض مساعدة فقراء الحضر خشية اجتذاب مزيد من المهاجرين من الريف إلى الحضر يؤديان فحسب إلى زيادة الفقر والتدهور البيئي.
-
يشكل الفقراء نسبة كبيرة من النمو الحضري، سواء النمو الناجم عن الهجرة من الريف إلى الحضر أو الناجم عن الزيادة الطبيعية في عدد السكان. ولكن الفقراء لهم الحق في أن يعيشوا في المدينة ولهم أيضاً مساهمة هامة يمكن أن يقدموها. وينبغي أن يكون ذلك نقطة مرجعية واضحة بالنسبة لواضعي السياسات الحضرية.
-
مما يتسم بأهمية بالغة دعم الجهود الفردية والجماعية للسكان ذوي الدخل المنخفض لكي يحصلوا على منازل أفضل وسبل أفضل لكسب الرزق في المناطق الحضرية، وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في عمليات السياسات، وكذلك إتاحة الفرصة لهم للتفاوض بشأن إيجاد حلول لمشاكلهم.
الفقر، والقابلية للاستدامة، واستخدام الأراضي:
-
باستطاعة مدن كثيرة أن تحد من المشاكل الاجتماعية بالتخطيط مسبقاً لاحتياجات الفقراء. فالفقراء يحتاجون، على وجه الخصوص، إلى أراض مزودة بالخدمات لكي يبنوا عليها مساكنهم ولكي يحسنوا تلك المساكن. وفي هذا الصدد يجب إيلاء مزيد من الاهتمام لتأمين حقوق التملك الخاصة بالمرأة. فالحصول على منزل مأمون وعلى عنوان قانوني أمر أساسي بالنسبة للفقراء للاستفادة مما يمكن للمدينة أن تقدمه. وأجدى سبيل لتحقيق ذلك هو توفير الأراضي والخدمات للفقراء مسبقاً. وهذا يتطلب قبول النمو الحتمي والتخطيط له.
-
يشكل التخطيط لاحتياجات الفقراء من حيث الأراضي جانباً واحداً فقط من جوانب قضية استخدام الأراضي، وهي قضية أوسع نطاقاً ستصبح أكثر إلحاحاً مع نمو سكان الحضر. وينبغي أن يتمثل الهدف من ذلك في الحد إلى أدنى درجة من الآثار البيئية بتنظيم وتوجيه التوسع قبل حدوثه.
-
ستكون التفاعلات بين النمو الحضري والقابلية للاستدامة بالغة الأهمية على وجه الخصوص بالنسبة لمستقبل البشرية. فالمدن تؤثر في التغير البيئي العالمي وسوف يتزايد تأثرها به. وهذا يستدعي نهجاً استباقياً، يرمي إلى الحيلولة دون التدهور البيئي وإلى الحد من قابلية الفقراء للتأثر بعوامل البيئة. وهو بالغ الأهمية على وجه الخصوص في البلدان النامية، التي سرعان ما سيتضاعف عدد سكان الحضر لديها في المناطق الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى البحر(5).
الأهمية البالغة لاتباع نهج استباقي:
نهج مفيد بوجه عام: التنمية الاجتماعية والنمو الحضري
لقد وصف هذا التقرير مراراً النمو الحضري الهائل في المناطق النامية بأنه "حتمي". فالتلاقي والقصور الذاتي بين اثنتين على الأقل من العمليات المسيطرة ـ وهما العولمة بعواقبها الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة، والنمو السكاني في المناطق الريفية والحضرية ـ يجعلان النمو الحضري أمراً لا يمكن اجتنابه أثناء العقود المقبلة. وهذه هي الحالة على وجه الخصوص في أفريقيا وآسيا.
إلا أن سرعة وحجم هذا النمو الحضري الحتمي ليسا ثابتين. فلو استطاع واضعو السياسات أن يحدوا من كثافة النمو السكاني، فسوف يتاح لهم مزيد من الوقت لتلبية الاحتياجات الحالية مع الاستعداد للتعامل مع الزيادات التي تحدث مستقبلاً في عدد سكان الحضر.
وحتى الآن، كانت محاولات إبطاء النمو الحضري تركز حصرياً تقريباً على الحد من الهجرة من الريف إلى الحضر، ولكنها نادراً ما نجحت. فالمهاجرون يستمر توافدهم على المدن لأنهم يتصورون، وهم محقون في ذلك، أن الموائل الحضرية تتيح مزيداً من الخيارات، على الرغم من كل سلبياتها.
ولا تعالج محاولات إبطاء الهجرة من الريف إلى الحضر العنصر الديمغرافي الرئيسي من عناصر النمو الحضري، وهو الزيادة الطبيعية في عدد سكان المناطق الحضرية (وكذلك في المناطق الريفية بطريقة غير مباشرة). فمع ارتفاع مستويات التحضر، تمثل الزيادة الطبيعية نسبة متزايدة من النمو الحضري كله. وهذا النمط يتيح لواضعي السياسات فرصة غير مستغلة ومفيدة بوجه عام، هي: خفض معدل الزيادة الطبيعية بتحسين أوضاع الفقراء الاجتماعية وبتعزيز حقوق المرأة.
وخفض الزيادة الطبيعية معناه تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للفقراء، وكفالة توافر خدمات جيدة في مجال الصحة الإنجابية لهم بثمن يقدرون عليه، وتمكين المرأة. وهذه التدخلات تؤثر، معاً، على أفضليات الأفراد من حيث الخصوبة وقدرتهم على تحقيقها. فالتنمية تمكِّن من ممارسة حقوق الإنسان وتمنح الناس سيطرة أكبر على حياتهم.
وتوجد أيضاً صلة إيجابية واضحة بين التنمية، وتمكين المرأة، والقدرة على تنظيم الأسرة بفعالية. فالمرأة التي تستطيع أن تقرر لنفسها عدد الأطفال الذين تنجبهم والسنوات الفاصلة بين إنجاب كل طفل والآخر تكون لديها حرية أكبر تتيح لها أن تمارس العمل وأن تتعلم وأن تمارس أنشطة مجتمعية وأن تكسب دخلاً خارج المنزل(6) .
والحد من الفجوة بين الجنسين في مجالي التعليم والصحة، وتوسيع نطاق الفرص المتاحة أمام المرأة للحصول على عمل أكثر تنوعاً وأفضل أجراً، من شأنهما تشجيع النمو الاقتصادي. وارتفاع الدخل، بدوره، يحد من انعدام المساواة بين الجنسين، ولكنه لا يزيل جميع العقبات التي تحول دون مشاركة المرأة وتنميتها.
 |
|
إن ما يقرب من خُمس النساء المتزوجات في البلدان النامية لديهن حاجة غير ملباة إلى خدمات تنظيم الأسرة. وهذه الحاجة أكبر بأكثر من الضعف لدى المراهقات عنها بين السكان بوجه عام. وهي مازالت كبيرة للغاية في معظم المناطق التي تتسم بانخفاض معدل شيوع تلك الخدمات فيها أكثر من غيرها من المناطق. وقد أدى ارتفاع مستوى الحاجة غير الملباة إلى وسائل فعالة لتنظيم الأسرة إلى ما يتراوح ما بين 70 إلى 80 مليون حالة حمل غير مقصودة كل عام في البلدان النامية. ومن الممكن أن تؤدي تلبية هذه الأفضليات إلى الحد من التعرض للمخاطر المتعلقة بالصحة الإنجابية وأن تتيح إمكانيات للشابات فيما يتعلق بالتعليم والعمالة والمشاركة الاجتماعية(1) .
وهذه الاستنتاجات ذات أهمية كبيرة فيما يتعلق بالنمو الحضري. فما الذي سيحدث، مثلاً، إذا استطاع فقراء الحضر أن يحققوا المستويات التي يرغبونها من حيث الخصوبة؟ تشير عملية تصويرية إلى أن ذلك من شأنه أن يُحدث فارقاً كبيراً في معدل نمو سكان الحضر في البلدان النامية(2) . فقد استُخدمت بيانات مسح ديمغرافي وصحي مستمدة من بلدين (بنغلاديش في عام 2004، وكولومبيا في عام 2005) لتقدير ما يحدث من حيث الخصوبة لو أتيحت للمرأة إمكانية مثالية للحصول على خدمات الصحة الإنجابية ولو حققت حجم الخصوبة الذي ترغبه.
وفي ظل هذه الظروف، توقعت كولومبيا أن ينخفض النمو في عدد سكان الحضر خلال الفترة الممتدة من عام 2005 إلى عام 2025 من متوسط قدره 1.66 في المائة سنوياً إلى 1.21 في المائة سنوياً وأن ينخفض نمو عدد سكان الريف لديها من –0.20 في المائة إلى –0.83 في المائة.
وفي بنغلاديش، سينخفض معدل النمو الحضري المتوقع من 3.38 في المائة إلى 3.05 في المائة وسينخفض معدل النمو الريفي لديها أكثر حتى من ذلك، من 0.80 في المائة إلى 0.39 في المائة، أثناء تلك الفترة. ومن الواضح أن انخفاض معدل الزيادة الطبيعية في عدد سكان الريف من شأنه أن يسهم في الحد من الهجرة من الريف إلى الحضر. وهذه المحاكاة ليست على الإطلاق تصويراً مثالياً للواقع، ولكنها موحية مع ذلك.
وحدوث ارتفاع في سن الزواج من شأنه أيضاً أن يكون له تأثير على الزيادة الطبيعية في عدد السكان. ففي بعض البلدان النامية، يحدث الإنجاب في إطار الزواج، مما يجعل سن الزواج مؤشراً أساسياً لاحتمالات الحمل. وعلى وجه الإجمال، تُنجب 90 في المائة من الشابات، ممن تتراوح أعمارهن من 20 إلى 24 عاماً، أول مولود لهن بعد الزواج. وفي البلدان النامية، يحدث ما يتراوح بين نصف وثلاثة أرباع جميع الولادات الأولى لدى النساء المتزوجات في غضون العام الأول أو العامين الأولين من الزواج(3) . ويمكن توقُّع أن يكون لحدوث زيادة في متوسط العمر عند الزواج تأثير هام من حيث تدني الخصوبة.
|
وكثيراً ما كانت أوجه التقدم التي تحققت في هذا المجال مخيبة للآمال. فمازالت المرأة ممثلة بين الفقراء تمثيلاً غير متناسب. وقد يكون للتحرير الاقتصادي، على وجه الإجمال، تأثير سلبي على الحد من الفقر بوجه عام وعلى المرأة بوجه خاص(7) . وتطور قطاع الصحة مخيب للآمال على وجه الخصوص(8) . وعلاوة على ذلك، وجدت دراسة أجراها البنك الدولي أن الخدمات المتعلقة بالصحة الإنجابية أكثر غبناً من أي مجموعة أخرى من الخدمات(9) . وقطاعات الصحة العامة التي يُقصد بها أن تحمي النساء الفقيرات تخذل أولئك النساء في أنحاء كثيرة من العالم النامي(10) . ومن ثم ليس مما يدعو إلى الدهشة أن خصوبة المرأة الحضرية الفقيرة أعلى كثيراً بالمقارنة بالمرأة الحضرية غير الفقيرة. وعلاوة على ذلك، في نطاق الأسرة المعيشية، يحد الفقر من القدرة على المساومة لدى المرأة التي قد لا تكون لديها القدرة على تنفيذ أفضلياتها وذلك على العكس من زوجها. وهذا يؤثر أيضاً على إمكانية الحصول على معلومات وخدمات الصحة الإنجابية(11) .
ولقد أدرك واضعو السياسات مزايا إبطاء النمو الحضري، ولكنهم لم يدركوا تكاليف الجهود الرامية إلى منع الهجرة من الريف إلى الحضر، ونواحي القصور في تلك الجهود. فالنجاح في الحد من النمو الحضري لا يتوقف على تقييد حق الناس في الهجرة، بل على تمكين الناس وتيسير ممارسة حقوقهم الإنسانية، ومن بينها الحق في الحصول على خدمات الصحة الإنجابية.
تحسين قاعدة المعلومات من أجل عملية صنع القرار(12)
يستدعي الحكم والإدارة الفعالان في السياق الاجتماعي والبيئي المتغير الخاص بتوسُّع المناطق الحضرية وجود معلومات وتحليلات حديثة ويمكن الاعتماد عليها. ومن الممكن أن يلعب تقديم مدخلات من مجال السكان دوراً أساسياً هنا.
فمن الممكن استخدام المعلومات الاجتماعية الديمغرافية لمعالجة جدولي أعمال يكمِّل أحدهما الآخر هما: (أ) تحسين السياسة الاجتماعية الرامية إلى الحد من الفقر؛ و (ب) توليد رؤية أوسع نطاقاً لاستخدام الحيز استخداماً قابلاً للاستدامة ولتوفير أراض لتلبية احتياجات الفقراء من حيث المأوى. ووجود معلومات جيدة لدى الأشخاص المناسبين ـ الذين سيكونون في حالات كثيرة هم جماعات فقراء الحضر أنفسهم ـ يمكن أن يساعد على تنفيذ كلا جدولي الأعمال.
المعلومات اللازمة لممارسة حقوق الإنسان
تنقص الفقراء القدرة على إسماع واضعي السياسات أصواتهم. فكثيرون منهم لا يراهم فعلاً واضعو السياسات الحضريون: وذلك لأن نظم المعلومات الرسمية لا تسجل بدقة وجودهم أو المكان الذي يعيشون فيه، وتفتقر حكومات بلدية كثيرة إلى معلومات عن مجالات الاستيطان غير النظامية. وعدم رؤية الفقراء هذا معناه حصولهم على استثمارات أقل، وتعذُّر وصولهم إلى المدارس والمراكز الصحية، وارتفاع معدلات تغيب الأطباء والمدرسين المكلفين بالعمل في المناطق الفقيرة، ووجود بَوْن اجتماعي شاسع بين مقدمي الخدمات وزبائنهم(13) .
ويجب أن تكون البيانات الديمغرافية الاجتماعية مفصلة مكانياً (أي مصنفة حسب المنطقة) لكي يكون لها أي تأثير حقيقي. ووجود بيانات مفصلة حسب كل جنس، ووجود تحليلات لوضع المرأة، وميزانية لقضية المرأة، بالغ الأهمية أيضاً لتلبية احتياجات المرأة ولتمكين جميع أفراد المجتمع من تحقيق إمكاناتهم. فالمعوقات التي تواجه المرأة بسبب جنسها، وكذلك الفرص المتاحة لها، تؤثر على إمكانية حصولها على دخل وأصول، وإسكان، ووسائل انتقال، وخدمات أساسية؛ ومع ذلك كثيراً ما يتجاهل التخطيط الحضري هذا التمييز، مما يحد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تقدمها المدن لكل من الرجل والمرأة.
ويحتاج المسؤولون العموميون إلى معلومات جيدة ومعروضة بوضوح ومفصلة لسد الثغرات في الخدمات، وخصوصاً في الأحياء التي تنمو بسرعة. ويحتاج المجتمع المدني، ووسائط الإعلام، والجمهور بوجه عام إلى نفس المعلومات لكي يفهموا حقوقهم، ويصوغوا مطالبهم، ويواصلوا الضغط على المخططين والساسة، ويرصدوا استجابتهم.
وترمي النُهُج التشاركية إلى توليد مشاركة مجتمعية في التنمية ومنح الناس قدراً من السيطرة على مختلف أنماط المشاريع الإنمائية. ومن حسن الطالع تزايد الإقرار، وبخاصة في المناطق الحضرية الفقيرة، بأن مشاركة الرجال الفقراء والنساء الفقيرات في القرارات التي تمسهم بالغة الأهمية(14) . وكثيراً ما كانت النساء بين فقراء الحضر هن رائدات المنظمات الشعبية فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات المجتمعية وممارسة الضغط من أجل إحداث تغيير؛ وقد تطورت هذه المنظمات بحيث أصبحت حركات اجتماعية فعالة(15) .
 |
|
|
توثِّق مجتمعات فقراء الحضر والمنظمات غير الحكومية الداعمة لها ظروف المعيشة في تلك المجتمعات، وأصولها واحتياجاتها. وهي تُراكِم في هذه العملية معرفة في أوساط تلك المجتمعات وعنها، وتعزز المنظمات المجتمعية. وهي أيضاً تبني علاقات فيما بين الأهالي في تلك المجتمعات وتجعل المجتمع المحلي صاحب شأن رسمياً في العمليات السياسية والتخطيطية الخاصة بالمدينة(1).
فنوم بنه، كمبوديا
لقد أجرى اتحاد التضامن وفقراء الحضر في فنوم بنه، الذي بدأ كمنظمة ادخار في عام 1994، عدداً من عمليات المسح لجمع وتحليل البيانات المجتمعية، من بينها بيانات حجم السكان وكثافتهم؛ ومهنهم، ودخولهم؛ وأماكن مآويهم ومخاطرها؛ والاستئجار؛ وتوافر المياه والكهرباء والصرف الصحي ووسيلة الحصول على تلك المرافق(2).
نيروبي، كينيا
يعمل Muungano wa Wanvijiji ، وهو اتحاد لفقراء الحضر في كينيا، عن كثب مع منظمة غير حكومية داعمة له، هي منظمة Pamoja Trust ، من أجل وضع خطط خاصة بهم للحصول على خدمات أساسية وتحقيق أمن الحيازة. وفي مستوطنة هوروما، أجرى أعضاء من المنظمة ومن الاتحاد ينتمون إلى قرى كامبي موتو وماهيرا وريديميد وغيتو وجيتاثورو مسحاً مجتمعياً وقاموا بعملية رسم للخرائط مع مجلس مدينة نيروبي. وقام سكان هوروما أنفسهم بجمع كل البيانات التي اشتملت على معلومات عن الأرقام السكانية وحجم الأسرة المعيشية؛ والاستئجار؛ واستراتيجيات الدخل ونفقات الأسرة المعيشية، وكذلك إمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي واستخدامهما. وكان المسح وعملية رسم الخرائط هما أول خطوة في عملية تنظيم هذه المستوطنات(3).
دار السلام، جمهورية تنزانيا المتحدة
لقد عملت منظمة "Manzes Ward" وبرنامج المدن الأكثر أماناً التابع لموئل الأمم المتحدة مع النساء على تحديد عناصر المدينة التي تجعلها ليست في صالح أمنهن وحرية حركتهن. وبعد تشاور لمدة يومين ومسيرة استكشافية، أُعدت خريطة للعنف، ووضعت توصيات محددة لتحسين مستوى المستوطنة بأكملها، بدءًا من تحسين الإضاءة والوصول إلى الممرات، وانتهاءً برصد الحانات المحلية، ودور الضيافة، ومؤسسات الأعمال الصغيرة الأخرى. وحددت المنظمة مع البرنامج أيضاً وجود حاجة إلى سبل انتصاف على الصعيد المحلي فيما يتعلق بجرائم العنف العائلي والجنح الصغيرة(4).
|
والمعرفة تمكِّن الناس ولها انعكاسات طويلة الأجل فيما يتعلق بالتخطيط. "فرسم الخرائط على نحو تشاركي" والتشارك في وضع الميزانية يمكن أن يحسنا الوعي، ويظهرا للمجتمعات المحلية نوع الخدمات العامة المتاحة ومن الذي يستخدمها، ويحسنا الرقابة المحلية(16) . والمسح ورسم الخرائط المجتمعيان على درجة بالغة من الأهمية لمنظمات فقراء الحضر (انظر الإطار 25).
ويحتاج واضعو السياسات أيضاً إلى معلومات مفصلة من داخل المناطق الحضرية لتلبية احتياجات الفقراء بمزيد من الكفاءة. فهذا يمكن أن يساعد على كفالة توزيع الموارد توزيعاً متوازناً ومنصفاً؛ ووضع مؤشرات لمراقبة الجودة؛ واختيار من يجب أن يشمله برنامج أو يجب أن يُستبعد منه؛ ويتيح إدخال تعديلات على مكان الأجهزة، وتوزيع الموظفين، وإعداد استراتيجيات للاتصال.
والعوامل الدينامية الديمغرافية، من قبيل أنماط النمو وهيكل الأعمار، تتباين تبايناً واسعاً داخل المدن وقد تستعصي على إدارة السياسة الاجتماعية. وهذه التباينات يمكن، عند تحديدها تحديداً صحيحاً، أن تحسِّن القرارات المتعلقة بتخصيص السياسات الصحية والتعليمية، وأن تساعد أيضاً على استحداث مبادرات أعم للتدخل الحضري. إلا أن ثمة عقبات عديدة تتطلب نُهُجاً جديدة.
فارتفاع مستويات شغل الأراضي غير النظامي يحد من قدرة أجهزة الحكم المحلي على الحصول على بيانات سليمة. فكثيراً ما تغير مدن الأكواخ والمستوطنات غير الرسمية شكلها نتيجة لعمليات الاجتياح والطرد. والسجلات يشوبها نقص وذلك يرجع على وجه الدقة إلى قصور الخدمات العامة.
ولا تتاح حتى الآن لدى معظم المخططين والمديرين في البلدان النامية إمكانية الحصول على بيانات ومؤشرات من داخل الحضر تتسم بالدقة، وإن كان قد تحقق قدر من التقدم باستخدام تقنيات نظام المعلومات الجغرافية لرسم خرائط لمناطق العد الإحصائي.
ووجود معلومات مفصلة مكانياً يتيح لواضعي السياسات التعامل مع إحدى أعقد قضايا الإدارة الحضرية، وهي اختيار الأماكن التي يجب التصرف فيها: وهي المناطق التي يوجد فيها أقصى قدر من التشوهات بين العرض والطلب وتلك التي تمثل مؤشرات اجتماعية سلبية تراكمية. وهذا النمط من التحليل تشتد ضرورته أكثر من ذلك عند مضي عملية تحقيق اللامركزية قدماً.
ويقر كل من أصحاب الشأن بأهمية المعلومات من أجل صنع القرار. إلا أن البلدان المانحة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية لم تعط حتى الآن أولوية للجوانب العملية لفهم الحاجة الفعلية والمحتملة إلى معلومات، وتنظيم نظم المعلومات التي يمكن أن تلبي هذه الاحتياجات، وتشكيل مجموعات لإدارة نظم المعلومات هذه(17) .
ويتصور أحياناً واضعو السياسات الاجتماعية في البلدان التي تعاني من نقص الموارد أن اتخاذ قرارات رشيدة تستند إلى معلومات جيدة يمثل ترفاً. وباستطاعة المؤسسات الدولية أن تساعد على إقناعهم بأن هذا ليس صحيحاً؛ ويمكنها أيضاً أن تدعم استخلاص بيانات واستحداث أدوات وتحليلات لتوضيح الاحتياجات واقتراح خيارات. ويمثل الإطار 26 مثالاً جيداً لهذا النوع من المساهمة.
 |
|
|
في عام 1990، وفي مواجهة اللامركزية، طلبت الحكومة البلدية لسان بدرو سولا في هندوراس إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان أن يساعدها في إنشاء وحدة للبحوث والإحصاءات. وفي ذلك الحين لم تكن سلطات البلدية تعرف إلا القليل للغاية عن العوامل الدينامية السكانية باستثناء أن أعداد السكان كانت تتزايد بسرعة.
ولقد قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان الدعم بتدريب الموظفين المحليين وساعد المسؤولين على فهم دور العوامل الدينامية السكانية في التنمية المحلية والإقليمية. وقد أُعدت واستُخدمت خريطة أساسية تبين استخدامات الأراضي حتى مستوى وحدة الإسكان الفردية وذلك كأساس لإجراء إحصاء للأسر المعيشية منخفض التكلفة، فضلاً عن إجراء مسح تفصيلي للسكان والمؤشرات الاجتماعية. ووضع نظام لرصد الخصوبة، ووفيات الرضع، والمخاطر المتعلقة بالصحة الإنجابية. وأنشئت قاعدة بيانات متعددة التخصصات وجرى تبادلها مع طائفة متنوعة من المجموعات البلدية والوطنية والدولية، ومن بينها مصرف التنمية للبلدان الأمريكية.
وتعاونت شركة AT&T العملاقة للاتصالات السلكية واللاسلكية مع المشروع للتوسع في الخدمات الهاتفية بحيث تمتد إلى 32 بلدة ومدينة. وفي مقابل استخدام بيانات المشروع، مولت شركة AT&T أخصائيين دوليين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والصحة الإنجابية ووافقت على أن تبقى جميع المعلومات التي تُستخلص بدعم منها متاحة للجمهور بوجه عام.
وهذا النوع من التعاون مكَّن المشروع من تحسين جودة خرائطه الأساسية، وتصميم خرائط "جزرية"، والقيام في نهاية المطاف بوضع خريطة أساسية واحدة تستند إلى مراجع جغرافية من أجل المدينة بأكملها. وقد استخدمت مكاتب إدارة الأراضي وإدارة المياه والصرف الصحي في المدينة هذه الخرائط الأساسية من أجل عملياتها.
واجتذب نجاح المشروع بلديات أخرى تواجه مشكلة اللامركزية بحيث قامت بمحاكاته. وتعاون المشروع بنجاح مع طائفة متنوعة من هيئات الحكومة المركزية والحكومات المحلية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والأوساط الأكاديمية، والمانحين الثنائيين، والوكالات الدولية. واتسع نطاق الأنشطة على الصعيد المحلي بحيث أصبح يشمل الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، فضلاً عن جوانب أخرى من الصحة الإنجابية، وقضايا المرأة، والبيئة. والأهم من ذلك أن المعلومات جرى تبادلها مع المجتمعات المحلية، مما أتاح لها أن تشارك بمزيد من الفعالية ومع وجود معلومات أفضل لديها في العمليات السياسية.
|
والرأي القائل بأن المعلومات ضرورية لتحسين الخدمات الاجتماعية يؤيد اتجاهاً موجوداً على نطاق العالم صوب وضع السياسات على أساس قرائن. إلا أنه لا يزال يلزم قدر كبير من الجهد لفهم التعقد المتزايد للساحة الحضرية في البلدان النامية ونظم المعلومات اللازمة لدعم السياسات الاجتماعية اللامركزية.
والتحديات كبيرة. فكثيراً ما تتخذ الإدارات الحضرية الموجودة في البلدان النامية قرارات لا تكون مهيأة لها على الإطلاق، ودون أن يتاح لها وقت لإجراء تحليلات فنية. وكثيراً ما يقوّض عدم الاستقرار المؤسسي المشاريع المتعلقة بالمعلومات أو البحوث(18) . وثمة مشاكل فنية، من قبيل أوجه عدم الاتساق بين وحدات التحليل التي تُستخدم في الإحصاءات أو المسوح الديمغرافية ووحدات التحليل التي يحتاج إليها مستخدمون محتملون. والأفرقة الفنية تكون عادة صغيرة الحجم وغير مدربة تدريباً جيداً وغير مجهزة تجهيزاً جيداً. وكثيراً ما تقوم الأفرقة الأفضل تجهيزاً بإنشاء نظم للمعلومات لا تكون هناك حاجة إليها.
وتتباين نظم المعلومات تبايناً كبيراً من مشروع إلى آخر. إذ لا توجد معايير موحدة، وفي بعض الأحيان لا تتبادل الأجهزة الوطنية والوكالات الدولية الموارد والمعلومات مع بعضها البعض. وفي بعض الأحيان أيضاً لا تستجيب عناصر المنح المقدمة من المانحين للاحتياجات المحلية أو لمشاكل محددة على صعيد الإدارة، مما يؤدي إلى التكرار وإساءة استخدام المعلومات. ونتيجة لذلك، قد يكون التأثير على المدى الطويل وقابلية المشروع للاستدامة مشكلة رئيسية.
ومن اللازم أن يكون باستطاعة مديري السياسات الاجتماعية، لكي يؤدوا مهامهم بفعالية، الوصول إلى نظم معلومات ديمغرافية لا تشمل فحسب بيانات عن توزيع الإمدادات ـ من قبيل المعدات، والمهنيين المخصصين، والخدمات الموجودة ـ بل تتيح أيضاً مقارنة هياكل التوزيع هذه باحتياجات الرجال والنساء المحليين.
وستتطلب أيضاً تلبية الاحتياجات التي تنبع من اللامركزية بناء القدرات على الصعيد المحلي. فالمهنيون الذين يعملون في مجال التخطيط اللامركزي يجب الآن أن يكونوا مهيئين لتحليل الظواهر الديمغرافية (الخصوبة، والوفيات، والهجرة، والعمر، ونسبة الجنسين) من حيث المكان، وذلك باستخدام أدوات من قبيل نظام المعلومات الجغرافية والصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية). وعلاوة على ذلك، من اللازم أن يكونوا مهيئين للعمل مع المجتمع المدني ولمساعدة المجموعات المحلية على الحصول على المعلومات وعلى الوصول إلى نظم المعلومات.
وعلى مر السنين أيد صندوق الأمم المتحدة للسكان جمع البيانات. وباستطاعة الصندوق أن يقدم مزيداً من التعزيز للتخطيط اللامركزي وذلك بزيادة القدرة المحلية على استخلاص البيانات وتحليلها واستخدامها لأغراض التنمية المحلية. وهذا التدريب ينبغي أن يتجاوز مجرد التعامل مع البيانات وأن ينطوي على فهم فني وقدرة على وضع مقترحات على صعيد السياسات بشأن قضايا التخطيط المحلي الرئيسية، من قبيل استخدام الأراضي والتخطيط الإقليمي، والإسكان، والنقل، وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية.
التخطيط لاستخدام الحيز استخداماً اجتماعياً وقابلاً للاستدامة
باستطاعة العاملين في مجال السكان القيام بدور رئيسي في توجيه الاهتمام إلى الصورة الأكبر للتغيرات الديمغرافية على المدى الأطول وفي الاستعداد لحدوث نمو حضري كبير في البلدان النامية. وتشمل الخطوات التي يجب اتخاذها على صعيد السياسات للمساعدة على الحد من التكاليف الاجتماعية والبيئية للتوسع الحضري ما يلي:
-
توجيه التوسع الحضري المستقبلي. فباستخدام البيانات الديمغرافية إلى جانب الصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية) وغيرها من البيانات المكانية الموجودة في نظام للمعلومات الجغرافية من الممكن توجيه التوسع الحضري لأي محلية ما من المحليات أو لأي مجموعة ما من المحليات في اتجاهات أكثر مواتاة. فإسقاطات اتجاهات النمو الديمغرافي، التي تُستخدم بالاقتران مع بيانات أخرى ـ مثلاً، بشأن الارتفاع عن مستوى البحر، والانحدار، والتربة، وغطاء الأرض، والنظم الإيكولوجية الحرجة، واحتمالات الأخطار ـ يمكن أن تساعد واضعي السياسات على تحديد المناطق التي ينبغي فيها تشجيع الاستيطان مستقبلاً أو اجتنابه. ومن اللازم أن تكون بيانات الإحصاءات السكانية متاحة على نطاق أصغر وحدة مكانية ممكنة، وذلك لكي تكون مفيدة في نظام للمعلومات الجغرافية.
-
استنباط مؤشرات للإنذار المبكر. من الممكن استخدام مؤشرات الإنذار المبكر لتنبيه المخططين إلى التوسعات الحضرية غير المتوقعة. فوجود معلومات حديثة عن العوامل الدينامية الأوسع نطاقاً للتوسع الحضري ولاحتياجات الحماية البيئية أمر حاسم الأهمية بالنسبة للحكم الحضري الذي يتسم بالإحساس بالمسؤولية. ومن اللازم تحديد المستوطنات المزعزعة وغير الرسمية عند نشوئها. ويتزايد استخدام الصور الفوتوغرافية الجوية والصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية) لكي تُكمِّل تقديرات أعداد السكان في الفترات الفاصلة بين إحصاء سكاني والإحصاء التالي له.
-
التخطيط للبنية التحتية وسياسات الإسكان. فوجود طرق ووسائل عامة للنقل وكهرباء وإمدادات مياه يساعد على تحديد الاتجاه الذي تنمو فيه المدن. وينبغي توجيه التنمية فيها وفقاً لمعايير بيئية وديمغرافية. ووجود معلومات عن الاتجاهات الديمغرافية وأنماط التنقُّل بين الأماكن يمكن أن يساعد على التنبؤ بالضغط المتزايد على الإسكان، وكذلك على شبكة الطرق والشوارع.
-
تحديد السكان المعرضين للخطر. فوجود معلومات عن مكان المخاطر البيئية ومدى خطورتها ووتيرتها يمثل أداة أساسية للتخطيط لأي مدينة. فالمستوطنات الحضرية غير الرسمية تواجه مخاطر أكبر من ظواهر من قبيل الفيضانات والزلازل والانهيارات الأرضية. وتكثر أيضاً الأخطار الصحية، بسبب الاكتظاظ المفرط وسوء البنية التحتية، وأيضاً بسبب نمو المستوطنات في أماكن غير صحية على مقربة من كتل مائية ملوثة، أو مدافن النفايات الصلبة، أو الصناعات المسببة للتلوث. وثمة مخاطر محددة لا تتوقف فحسب على المكان بل تتوقف أيضاً على ما يوجد لدى المقيمين في ذلك المكان من معلومات وأيضاً على مواد البناء المستخدمة ومدى جودة إسكانهم بوجه عام.
-
التخطيط للمتنزهات والمماشي. ففي بعض الأحيان تُعتبر المتنزهات والمماشي العامة الحضرية ترفاً لا تقدر عليه المدن الموجودة في البلدان الفقيرة، ولكن الأماكن المكشوفة تساهم في سلامة الفرد ولياقته البدنية. ويمكن أيضاً أن تساعد على تحقيق الإنصاف في مجالات هامة من مجالات الحياة في المدينة (انظر الإطار 27). وللأشجار الحضرية فوائد بيئية هامة من قبيل تصفية ملوثات الهواء، والتخفيف من سخونة الهواء في الحضر الشبيهة بسخونة الهواء في الجزر، وتحسين جودة المياه. ونفس أدوات نظام المعلومات الجغرافية المذكورة آنفاً يمكن أن تحدد المناطق التي يجب الإبقاء فيها على حيز أخضر، سواء قبل إقامة تلك المناطق أو كجزء من عملية تجديد حضري شاملة.
 |
|
|
إن تضاعف أعداد سكان الحضر في البلدان النامية في غضون بضعة عقود يمكن أن يكون فرصة لتصور تصميمات جديدة ومخططات تنظيمية جديدة لجعل المدن أكثر اتساماً بالطابع الإنساني وأكثر إنصافاً. ولقد أدرك إنريكه بنيالوسا، عند اختياره عمدة لبوغوتا في عام 1998، أن انعدام المساواة في الدخل متوطن في اقتصادات السوق. إلا أنه كان يرى أن "المساواة من حيث نوعية الحياة" يمكن تحسينها بجعل المصالح العامة هي التي تغلب كفتها على المصالح الخاصة في المناطق الحضرية.
وقد رأى بنيالوسا أن وجود شبكة نقل في أي مدينة أمر حاسم الأهمية لتحقيق المساواة. ويجب أن تكون للنقل العام أولوية على السيارات الخاصة لكي تسود الديمقراطية ويسود الصالح العام. واعتبر الطرق السريعة شاهداً على انعدام المساواة، وأنها أقيمت بأموال كان يجب أن تُنفق على تلبية احتياجات أهم للفقراء، بدلاً من أن تنفق مراعاة لأقلية صغيرة من الأثرياء. ومن ثم رفضت المدينة خطة لإقامة شبكة من الطرق السريعة وقررت بدلاً من ذلك أن تقيم شبكة نقل عام، وشوارع للمشاة، وممرات للدراجات. وحل محل نظام حافلات خاصة فوضوي نظام شبكة عنكبوتية تسير فيها حافلات محلية على خطوط سريعة مخصصة وتنقل الركاب بسرعة كبيرة. وأعادت الحواجز التي أقيمت على امتداد الشوارع الأرصفة إلى المشاة، وأزالت التقييدات 40 في المائة من السيارات من الشوارع أثناء فترات الذروة. وأقيمت أيضاً ممرات مخصصة للدراجات تمتد مسافة عدة مئات من الكيلومترات.
ولاحظ العمدة أن الفوارق في الدخل تكون محسوسة إلى أقصى حد أثناء قضاء وقت الفراغ: فبينما يستطيع المواطنون ذوو الدخل الأعلى الحصول على منازل كبيرة وحدائق والتردد على الأندية، يعيش ذوو الدخل المنخفض ويعيش أطفالهم في منازل مكتظة وتمثل الأماكن العامة بالنسبة لهم الخيار الوحيد لقضاء وقت الفراغ. وقام بنيالوسا بتحسين إمكانية الوصول إلى الأماكن الخضراء، والضفاف وأماكن المشي العامة، إيماناً منه بأن وجود حيز عام جيد للمشاة هو أمر يبدأ على الأقل في تدارك انعدام المساواة.
وكما يمكن توقع ذلك، أثارت هذه المبادرات وغيرها من المبادرات الرامية إلى تحقيق الإنصاف معارضة قوية. ولكن في النهاية، أظهرت بوغوتا أن من الممكن القيام بالكثير لتحقيق الإنصاف عن طريق استخدام الحيز العام استخداماً استراتيجياً. وتتاح أيضاً لواضعي السياسات في البلدان النامية، عند تضاعف سكان الحضر في بلدانهم، فرصة لاستخدام الحيز العام كعامل عظيم لتحقيق المساواة. فهو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه جميع المواطنين كأشخاص سواسية في المدن.
|
الاستعداد للتحول الحضري: كلمة أخيرة
إن السياسات المناهضة للتحضر التي كانت شائعة في العالم النامي أثناء الربع الأخير من القرن العشرين أساءت فهم كل من تحديات النمو الحضري والفرص التي يتيحها. فمما لا جدال فيه أن الفقر الحضري مشكلة هامة ومتزايدة في كثير من البلدان النامية. ويتزايد تجمُّع المشاكل البيئية في المواقع الحضرية. ومع ذلك فإن إلقاء اللوم على المدن فيما يتعلق بالفقر والمشاكل البيئية هو أمر خاطئ. فتشتيت أو تصفية تركز السكان والأنشطة الاقتصادية ليس من شأنهما أن يجلبا الفرج، حتى لو كانا ممكنين.
ولكي تستفيد البشرية من التحول الحضري، فإن قادتها يجب أن يقبلوا أولاً ذلك التحول باعتباره حتمياً وهاماً أيضاً للتنمية. ويجب أن يعترفوا بحق الفقراء في الحصول على ما يمكن أن تقدمه المدينة وأن يعترفوا بقدرة المدينة على أن تستفيد مما يمكن أن يقدمه الفقراء.
وبدلاً من بذل محاولة لا طائل وراءها لمنع التوسع الحضري، يجب على المخططين أن يدرسوا بموضوعية الخيارات المتاحة على صعيد السياسات للتعامل مع ذلك التوسع وللاستفادة من إمكانياته. وينال التحسن الحضري ورفع مستوى العشوائيات قدراً من الاهتمام من جانب حكومات المدن والمخططين الحضريين. وهذا أمر ضروري، ولكنه ليس كافياً: فالمدن يجب أن تتطلع على وجه السرعة إلى المستقبل.
ويبرز التوسع المتوقع في عدد سكان الحضر في آسيا وأفريقيا، من 1.7 إلى 3.4 بلايين شخص على مدى فترة لا تتجاوز 30 عاماً، وانخفاض مستوى الموارد المتاحة، وجود حاجة إلى استجابة أكثر خيالاً ولكنها عملية. وهذا سيتطلب، بدوره، رؤية واقعية للمستقبل، ووجود معلومات أفضل على الصعيدين المحلي والإقليمي، فضلاً عن وجود نُهُج تشاركية واتفاقات يتم التوصل إليها عن طريق التفاوض وتستند إلى ما يوجد لدى الفقراء من معارف وتجارب.
فالقرارات التي تُتخذ اليوم في المدن في مختلف أنحاء العالم النامي ستشكل ليس فحسب مدى الكثافات فيها بل ستشكل أيضاً مستقبل البشرية الاجتماعي والبيئي. فالألفية الحضرية التي تقترب يمكن أن تجعل من الأيسر السيطرة على الفقر وانعدام المساواة والتدهور البيئي، أو يمكن أن تؤدي إلى تفاقم هذه الظواهر تفاقماً أُسياً. وفي ضوء ذلك، يتعين أن يشيع إحساس بالإلحاحية في الجهود الرامية إلى مواجهة التحديات والفرص التي يمثلها التحول الحضري.
|