مقدمـة الفصل 5
الفصل 1 الفصل 6
الفصل 2 حواشي
الفصل 3 حواشي الأطر
الفصل 4 المؤشرات
صيغة صالحة للطباعة
هذا الشارع في بيروت، لبنان، المطل على البحر المتوسط، تتوافر فيه التجارة ويتوافر فيه الترويح وتتوافر فيه،
في هذا اليوم، لحظات من الهدوء والسكينة في الساعات الأخيرة من بعد ظهر اليوم. رؤية لمستقبل حضري قابل للاستدامة: السياسات والمعلومات والحكم
 
ما الذي يمكن القيام به؟

رؤية للمستقبل الحضري

نهج مفيد بوجه عام: التنمية الاجتماعية والنمو الحضري

تحسين قاعدة المعلومات من أجل عملية صنع القرار

الاستعداد للتحول الحضري: كلمة أخيرة

تحسين قاعدة المعلومات من أجل عملية صنع القرار(12)

يستدعي الحكم والإدارة الفعالان في السياق الاجتماعي والبيئي المتغير الخاص بتوسُّع المناطق الحضرية وجود معلومات وتحليلات حديثة ويمكن الاعتماد عليها. ومن الممكن أن يلعب تقديم مدخلات من مجال السكان دوراً أساسياً هنا.

فمن الممكن استخدام المعلومات الاجتماعية الديمغرافية لمعالجة جدولي أعمال يكمِّل أحدهما الآخر هما: (أ) تحسين السياسة الاجتماعية الرامية إلى الحد من الفقر؛ و (ب) توليد رؤية أوسع نطاقاً لاستخدام الحيز استخداماً قابلاً للاستدامة ولتوفير أراض لتلبية احتياجات الفقراء من حيث المأوى. ووجود معلومات جيدة لدى الأشخاص المناسبين ـ الذين سيكونون في حالات كثيرة هم جماعات فقراء الحضر أنفسهم ـ يمكن أن يساعد على تنفيذ كلا جدولي الأعمال.

المعلومات اللازمة لممارسة حقوق الإنسان

تنقص الفقراء القدرة على إسماع واضعي السياسات أصواتهم. فكثيرون منهم لا يراهم فعلاً واضعو السياسات الحضريون: وذلك لأن نظم المعلومات الرسمية لا تسجل بدقة وجودهم أو المكان الذي يعيشون فيه، وتفتقر حكومات بلدية كثيرة إلى معلومات عن مجالات الاستيطان غير النظامية. وعدم رؤية الفقراء هذا معناه حصولهم على استثمارات أقل، وتعذُّر وصولهم إلى المدارس والمراكز الصحية، وارتفاع معدلات تغيب الأطباء والمدرسين المكلفين بالعمل في المناطق الفقيرة، ووجود بَوْن اجتماعي شاسع بين مقدمي الخدمات وزبائنهم(13).

ويجب أن تكون البيانات الديمغرافية الاجتماعية مفصلة مكانياً (أي مصنفة حسب المنطقة) لكي يكون لها أي تأثير حقيقي. ووجود بيانات مفصلة حسب كل جنس، ووجود تحليلات لوضع المرأة، وميزانية لقضية المرأة، بالغ الأهمية أيضاً لتلبية احتياجات المرأة ولتمكين جميع أفراد المجتمع من تحقيق إمكاناتهم. فالمعوقات التي تواجه المرأة بسبب جنسها، وكذلك الفرص المتاحة لها، تؤثر على إمكانية حصولها على دخل وأصول، وإسكان، ووسائل انتقال، وخدمات أساسية؛ ومع ذلك كثيراً ما يتجاهل التخطيط الحضري هذا التمييز، مما يحد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تقدمها المدن لكل من الرجل والمرأة.

ويحتاج المسؤولون العموميون إلى معلومات جيدة ومعروضة بوضوح ومفصلة لسد الثغرات في الخدمات، وخصوصاً في الأحياء التي تنمو بسرعة. ويحتاج المجتمع المدني، ووسائط الإعلام، والجمهور بوجه عام إلى نفس المعلومات لكي يفهموا حقوقهم، ويصوغوا مطالبهم، ويواصلوا الضغط على المخططين والساسة، ويرصدوا استجابتهم.

وترمي النُهُج التشاركية إلى توليد مشاركة مجتمعية في التنمية ومنح الناس قدراً من السيطرة على مختلف أنماط المشاريع الإنمائية. ومن حسن الطالع تزايد الإقرار، وبخاصة في المناطق الحضرية الفقيرة، بأن مشاركة الرجال الفقراء والنساء الفقيرات في القرارات التي تمسهم بالغة الأهمية(14). وكثيراً ما كانت النساء بين فقراء الحضر هن رائدات المنظمات الشعبية فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات المجتمعية وممارسة الضغط من أجل إحداث تغيير؛ وقد تطورت هذه المنظمات بحيث أصبحت حركات اجتماعية فعالة(15).

25

عمليات المسح ورسم الخرائط المجتمعية من أجل إدخال تحسينات

توثِّق مجتمعات فقراء الحضر والمنظمات غير الحكومية الداعمة لها ظروف المعيشة في تلك المجتمعات، وأصولها واحتياجاتها. وهي تُراكِم في هذه العملية معرفة في أوساط تلك المجتمعات وعنها، وتعزز المنظمات المجتمعية. وهي أيضاً تبني علاقات فيما بين الأهالي في تلك المجتمعات وتجعل المجتمع المحلي صاحب شأن رسمياً في العمليات السياسية والتخطيطية الخاصة بالمدينة(1).

فنوم بنه، كمبوديا
لقد أجرى اتحاد التضامن وفقراء الحضر في فنوم بنه، الذي بدأ كمنظمة ادخار في عام 1994، عدداً من عمليات المسح لجمع وتحليل البيانات المجتمعية، من بينها بيانات حجم السكان وكثافتهم؛ ومهنهم، ودخولهم؛ وأماكن مآويهم ومخاطرها؛ والاستئجار؛ وتوافر المياه والكهرباء والصرف الصحي ووسيلة الحصول على تلك المرافق(2).

نيروبي، كينيا
يعمل Muungano wa Wanvijiji ، وهو اتحاد لفقراء الحضر في كينيا، عن كثب مع منظمة غير حكومية داعمة له، هي منظمة Pamoja Trust ، من أجل وضع خطط خاصة بهم للحصول على خدمات أساسية وتحقيق أمن الحيازة. وفي مستوطنة هوروما، أجرى أعضاء من المنظمة ومن الاتحاد ينتمون إلى قرى كامبي موتو وماهيرا وريديميد وغيتو وجيتاثورو مسحاً مجتمعياً وقاموا بعملية رسم للخرائط مع مجلس مدينة نيروبي. وقام سكان هوروما أنفسهم بجمع كل البيانات التي اشتملت على معلومات عن الأرقام السكانية وحجم الأسرة المعيشية؛ والاستئجار؛ واستراتيجيات الدخل ونفقات الأسرة المعيشية، وكذلك إمكانية الحصول على المياه والصرف الصحي واستخدامهما. وكان المسح وعملية رسم الخرائط هما أول خطوة في عملية تنظيم هذه المستوطنات(3).

دار السلام، جمهورية تنزانيا المتحدة
لقد عملت منظمة "Manzes Ward" وبرنامج المدن الأكثر أماناً التابع لموئل الأمم المتحدة مع النساء على تحديد عناصر المدينة التي تجعلها ليست في صالح أمنهن وحرية حركتهن. وبعد تشاور لمدة يومين ومسيرة استكشافية، أُعدت خريطة للعنف، ووضعت توصيات محددة لتحسين مستوى المستوطنة بأكملها، بدءًا من تحسين الإضاءة والوصول إلى الممرات، وانتهاءً برصد الحانات المحلية، ودور الضيافة، ومؤسسات الأعمال الصغيرة الأخرى. وحددت المنظمة مع البرنامج أيضاً وجود حاجة إلى سبل انتصاف على الصعيد المحلي فيما يتعلق بجرائم العنف العائلي والجنح الصغيرة(4).

والمعرفة تمكِّن الناس ولها انعكاسات طويلة الأجل فيما يتعلق بالتخطيط. "فرسم الخرائط على نحو تشاركي" والتشارك في وضع الميزانية يمكن أن يحسنا الوعي، ويظهرا للمجتمعات المحلية نوع الخدمات العامة المتاحة ومن الذي يستخدمها، ويحسنا الرقابة المحلية(16). والمسح ورسم الخرائط المجتمعيان على درجة بالغة من الأهمية لمنظمات فقراء الحضر (انظر الإطار 25).

ويحتاج واضعو السياسات أيضاً إلى معلومات مفصلة من داخل المناطق الحضرية لتلبية احتياجات الفقراء بمزيد من الكفاءة. فهذا يمكن أن يساعد على كفالة توزيع الموارد توزيعاً متوازناً ومنصفاً؛ ووضع مؤشرات لمراقبة الجودة؛ واختيار من يجب أن يشمله برنامج أو يجب أن يُستبعد منه؛ ويتيح إدخال تعديلات على مكان الأجهزة، وتوزيع الموظفين، وإعداد استراتيجيات للاتصال.

والعوامل الدينامية الديمغرافية، من قبيل أنماط النمو وهيكل الأعمار، تتباين تبايناً واسعاً داخل المدن وقد تستعصي على إدارة السياسة الاجتماعية. وهذه التباينات يمكن، عند تحديدها تحديداً صحيحاً، أن تحسِّن القرارات المتعلقة بتخصيص السياسات الصحية والتعليمية، وأن تساعد أيضاً على استحداث مبادرات أعم للتدخل الحضري. إلا أن ثمة عقبات عديدة تتطلب نُهُجاً جديدة.

فارتفاع مستويات شغل الأراضي غير النظامي يحد من قدرة أجهزة الحكم المحلي على الحصول على بيانات سليمة. فكثيراً ما تغير مدن الأكواخ والمستوطنات غير الرسمية شكلها نتيجة لعمليات الاجتياح والطرد. والسجلات يشوبها نقص وذلك يرجع على وجه الدقة إلى قصور الخدمات العامة.

ولا تتاح حتى الآن لدى معظم المخططين والمديرين في البلدان النامية إمكانية الحصول على بيانات ومؤشرات من داخل الحضر تتسم بالدقة، وإن كان قد تحقق قدر من التقدم باستخدام تقنيات نظام المعلومات الجغرافية لرسم خرائط لمناطق العد الإحصائي.

ووجود معلومات مفصلة مكانياً يتيح لواضعي السياسات التعامل مع إحدى أعقد قضايا الإدارة الحضرية، وهي اختيار الأماكن التي يجب التصرف فيها: وهي المناطق التي يوجد فيها أقصى قدر من التشوهات بين العرض والطلب وتلك التي تمثل مؤشرات اجتماعية سلبية تراكمية. وهذا النمط من التحليل تشتد ضرورته أكثر من ذلك عند مضي عملية تحقيق اللامركزية قدماً.

ويقر كل من أصحاب الشأن بأهمية المعلومات من أجل صنع القرار. إلا أن البلدان المانحة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية لم تعط حتى الآن أولوية للجوانب العملية لفهم الحاجة الفعلية والمحتملة إلى معلومات، وتنظيم نظم المعلومات التي يمكن أن تلبي هذه الاحتياجات، وتشكيل مجموعات لإدارة نظم المعلومات هذه(17).

ويتصور أحياناً واضعو السياسات الاجتماعية في البلدان التي تعاني من نقص الموارد أن اتخاذ قرارات رشيدة تستند إلى معلومات جيدة يمثل ترفاً. وباستطاعة المؤسسات الدولية أن تساعد على إقناعهم بأن هذا ليس صحيحاً؛ ويمكنها أيضاً أن تدعم استخلاص بيانات واستحداث أدوات وتحليلات لتوضيح الاحتياجات واقتراح خيارات. ويمثل الإطار 26 مثالاً جيداً لهذا النوع من المساهمة.

26

مواجهة تحديات اللامركزية في هندوراس

في عام 1990، وفي مواجهة اللامركزية، طلبت الحكومة البلدية لسان بدرو سولا في هندوراس إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان أن يساعدها في إنشاء وحدة للبحوث والإحصاءات. وفي ذلك الحين لم تكن سلطات البلدية تعرف إلا القليل للغاية عن العوامل الدينامية السكانية باستثناء أن أعداد السكان كانت تتزايد بسرعة.

ولقد قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان الدعم بتدريب الموظفين المحليين وساعد المسؤولين على فهم دور العوامل الدينامية السكانية في التنمية المحلية والإقليمية. وقد أُعدت واستُخدمت خريطة أساسية تبين استخدامات الأراضي حتى مستوى وحدة الإسكان الفردية وذلك كأساس لإجراء إحصاء للأسر المعيشية منخفض التكلفة، فضلاً عن إجراء مسح تفصيلي للسكان والمؤشرات الاجتماعية. ووضع نظام لرصد الخصوبة، ووفيات الرضع، والمخاطر المتعلقة بالصحة الإنجابية. وأنشئت قاعدة بيانات متعددة التخصصات وجرى تبادلها مع طائفة متنوعة من المجموعات البلدية والوطنية والدولية، ومن بينها مصرف التنمية للبلدان الأمريكية.

وتعاونت شركة AT&T العملاقة للاتصالات السلكية واللاسلكية مع المشروع للتوسع في الخدمات الهاتفية بحيث تمتد إلى 32 بلدة ومدينة. وفي مقابل استخدام بيانات المشروع، مولت شركة AT&T أخصائيين دوليين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والصحة الإنجابية ووافقت على أن تبقى جميع المعلومات التي تُستخلص بدعم منها متاحة للجمهور بوجه عام.

وهذا النوع من التعاون مكَّن المشروع من تحسين جودة خرائطه الأساسية، وتصميم خرائط "جزرية"، والقيام في نهاية المطاف بوضع خريطة أساسية واحدة تستند إلى مراجع جغرافية من أجل المدينة بأكملها. وقد استخدمت مكاتب إدارة الأراضي وإدارة المياه والصرف الصحي في المدينة هذه الخرائط الأساسية من أجل عملياتها.

واجتذب نجاح المشروع بلديات أخرى تواجه مشكلة اللامركزية بحيث قامت بمحاكاته. وتعاون المشروع بنجاح مع طائفة متنوعة من هيئات الحكومة المركزية والحكومات المحلية، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والأوساط الأكاديمية، والمانحين الثنائيين، والوكالات الدولية. واتسع نطاق الأنشطة على الصعيد المحلي بحيث أصبح يشمل الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، فضلاً عن جوانب أخرى من الصحة الإنجابية، وقضايا المرأة، والبيئة. والأهم من ذلك أن المعلومات جرى تبادلها مع المجتمعات المحلية، مما أتاح لها أن تشارك بمزيد من الفعالية ومع وجود معلومات أفضل لديها في العمليات السياسية.

والرأي القائل بأن المعلومات ضرورية لتحسين الخدمات الاجتماعية يؤيد اتجاهاً موجوداً على نطاق العالم صوب وضع السياسات على أساس قرائن. إلا أنه لا يزال يلزم قدر كبير من الجهد لفهم التعقد المتزايد للساحة الحضرية في البلدان النامية ونظم المعلومات اللازمة لدعم السياسات الاجتماعية اللامركزية.

والتحديات كبيرة. فكثيراً ما تتخذ الإدارات الحضرية الموجودة في البلدان النامية قرارات لا تكون مهيأة لها على الإطلاق، ودون أن يتاح لها وقت لإجراء تحليلات فنية. وكثيراً ما يقوّض عدم الاستقرار المؤسسي المشاريع المتعلقة بالمعلومات أو البحوث(18). وثمة مشاكل فنية، من قبيل أوجه عدم الاتساق بين وحدات التحليل التي تُستخدم في الإحصاءات أو المسوح الديمغرافية ووحدات التحليل التي يحتاج إليها مستخدمون محتملون. والأفرقة الفنية تكون عادة صغيرة الحجم وغير مدربة تدريباً جيداً وغير مجهزة تجهيزاً جيداً. وكثيراً ما تقوم الأفرقة الأفضل تجهيزاً بإنشاء نظم للمعلومات لا تكون هناك حاجة إليها.

وتتباين نظم المعلومات تبايناً كبيراً من مشروع إلى آخر. إذ لا توجد معايير موحدة، وفي بعض الأحيان لا تتبادل الأجهزة الوطنية والوكالات الدولية الموارد والمعلومات مع بعضها البعض. وفي بعض الأحيان أيضاً لا تستجيب عناصر المنح المقدمة من المانحين للاحتياجات المحلية أو لمشاكل محددة على صعيد الإدارة، مما يؤدي إلى التكرار وإساءة استخدام المعلومات. ونتيجة لذلك، قد يكون التأثير على المدى الطويل وقابلية المشروع للاستدامة مشكلة رئيسية.

ومن اللازم أن يكون باستطاعة مديري السياسات الاجتماعية، لكي يؤدوا مهامهم بفعالية، الوصول إلى نظم معلومات ديمغرافية لا تشمل فحسب بيانات عن توزيع الإمدادات ـ من قبيل المعدات، والمهنيين المخصصين، والخدمات الموجودة ـ بل تتيح أيضاً مقارنة هياكل التوزيع هذه باحتياجات الرجال والنساء المحليين.

وستتطلب أيضاً تلبية الاحتياجات التي تنبع من اللامركزية بناء القدرات على الصعيد المحلي. فالمهنيون الذين يعملون في مجال التخطيط اللامركزي يجب الآن أن يكونوا مهيئين لتحليل الظواهر الديمغرافية (الخصوبة، والوفيات، والهجرة، والعمر، ونسبة الجنسين) من حيث المكان، وذلك باستخدام أدوات من قبيل نظام المعلومات الجغرافية والصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية). وعلاوة على ذلك، من اللازم أن يكونوا مهيئين للعمل مع المجتمع المدني ولمساعدة المجموعات المحلية على الحصول على المعلومات وعلى الوصول إلى نظم المعلومات.

وعلى مر السنين أيد صندوق الأمم المتحدة للسكان جمع البيانات. وباستطاعة الصندوق أن يقدم مزيداً من التعزيز للتخطيط اللامركزي وذلك بزيادة القدرة المحلية على استخلاص البيانات وتحليلها واستخدامها لأغراض التنمية المحلية. وهذا التدريب ينبغي أن يتجاوز مجرد التعامل مع البيانات وأن ينطوي على فهم فني وقدرة على وضع مقترحات على صعيد السياسات بشأن قضايا التخطيط المحلي الرئيسية، من قبيل استخدام الأراضي والتخطيط الإقليمي، والإسكان، والنقل، وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية.

التخطيط لاستخدام الحيز استخداماً اجتماعياً وقابلاً للاستدامة

باستطاعة العاملين في مجال السكان القيام بدور رئيسي في توجيه الاهتمام إلى الصورة الأكبر للتغيرات الديمغرافية على المدى الأطول وفي الاستعداد لحدوث نمو حضري كبير في البلدان النامية. وتشمل الخطوات التي يجب اتخاذها على صعيد السياسات للمساعدة على الحد من التكاليف الاجتماعية والبيئية للتوسع الحضري ما يلي:

  • توجيه التوسع الحضري المستقبلي. فباستخدام البيانات الديمغرافية إلى جانب الصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية) وغيرها من البيانات المكانية الموجودة في نظام للمعلومات الجغرافية من الممكن توجيه التوسع الحضري لأي محلية ما من المحليات أو لأي مجموعة ما من المحليات في اتجاهات أكثر مواتاة. فإسقاطات اتجاهات النمو الديمغرافي، التي تُستخدم بالاقتران مع بيانات أخرى ـ مثلاً، بشأن الارتفاع عن مستوى البحر، والانحدار، والتربة، وغطاء الأرض، والنظم الإيكولوجية الحرجة، واحتمالات الأخطار ـ يمكن أن تساعد واضعي السياسات على تحديد المناطق التي ينبغي فيها تشجيع الاستيطان مستقبلاً أو اجتنابه. ومن اللازم أن تكون بيانات الإحصاءات السكانية متاحة على نطاق أصغر وحدة مكانية ممكنة، وذلك لكي تكون مفيدة في نظام للمعلومات الجغرافية.

  • استنباط مؤشرات للإنذار المبكر. من الممكن استخدام مؤشرات الإنذار المبكر لتنبيه المخططين إلى التوسعات الحضرية غير المتوقعة. فوجود معلومات حديثة عن العوامل الدينامية الأوسع نطاقاً للتوسع الحضري ولاحتياجات الحماية البيئية أمر حاسم الأهمية بالنسبة للحكم الحضري الذي يتسم بالإحساس بالمسؤولية. ومن اللازم تحديد المستوطنات المزعزعة وغير الرسمية عند نشوئها. ويتزايد استخدام الصور الفوتوغرافية الجوية والصور الملتقطة بواسطة السواتل (الأقمار الصناعية) لكي تُكمِّل تقديرات أعداد السكان في الفترات الفاصلة بين إحصاء سكاني والإحصاء التالي له.

  • التخطيط للبنية التحتية وسياسات الإسكان. فوجود طرق ووسائل عامة للنقل وكهرباء وإمدادات مياه يساعد على تحديد الاتجاه الذي تنمو فيه المدن. وينبغي توجيه التنمية فيها وفقاً لمعايير بيئية وديمغرافية. ووجود معلومات عن الاتجاهات الديمغرافية وأنماط التنقُّل بين الأماكن يمكن أن يساعد على التنبؤ بالضغط المتزايد على الإسكان، وكذلك على شبكة الطرق والشوارع.

  • تحديد السكان المعرضين للخطر. فوجود معلومات عن مكان المخاطر البيئية ومدى خطورتها ووتيرتها يمثل أداة أساسية للتخطيط لأي مدينة. فالمستوطنات الحضرية غير الرسمية تواجه مخاطر أكبر من ظواهر من قبيل الفيضانات والزلازل والانهيارات الأرضية. وتكثر أيضاً الأخطار الصحية، بسبب الاكتظاظ المفرط وسوء البنية التحتية، وأيضاً بسبب نمو المستوطنات في أماكن غير صحية على مقربة من كتل مائية ملوثة، أو مدافن النفايات الصلبة، أو الصناعات المسببة للتلوث. وثمة مخاطر محددة لا تتوقف فحسب على المكان بل تتوقف أيضاً على ما يوجد لدى المقيمين في ذلك المكان من معلومات وأيضاً على مواد البناء المستخدمة ومدى جودة إسكانهم بوجه عام.

  • التخطيط للمتنزهات والمماشي. ففي بعض الأحيان تُعتبر المتنزهات والمماشي العامة الحضرية ترفاً لا تقدر عليه المدن الموجودة في البلدان الفقيرة، ولكن الأماكن المكشوفة تساهم في سلامة الفرد ولياقته البدنية. ويمكن أيضاً أن تساعد على تحقيق الإنصاف في مجالات هامة من مجالات الحياة في المدينة (انظر الإطار 27). وللأشجار الحضرية فوائد بيئية هامة من قبيل تصفية ملوثات الهواء، والتخفيف من سخونة الهواء في الحضر الشبيهة بسخونة الهواء في الجزر، وتحسين جودة المياه. ونفس أدوات نظام المعلومات الجغرافية المذكورة آنفاً يمكن أن تحدد المناطق التي يجب الإبقاء فيها على حيز أخضر، سواء قبل إقامة تلك المناطق أو كجزء من عملية تجديد حضري شاملة.

27

الحيز العام: عامل تحقيق المساواة العظيم(1)

إن تضاعف أعداد سكان الحضر في البلدان النامية في غضون بضعة عقود يمكن أن يكون فرصة لتصور تصميمات جديدة ومخططات تنظيمية جديدة لجعل المدن أكثر اتساماً بالطابع الإنساني وأكثر إنصافاً. ولقد أدرك إنريكه بنيالوسا، عند اختياره عمدة لبوغوتا في عام 1998، أن انعدام المساواة في الدخل متوطن في اقتصادات السوق. إلا أنه كان يرى أن "المساواة من حيث نوعية الحياة" يمكن تحسينها بجعل المصالح العامة هي التي تغلب كفتها على المصالح الخاصة في المناطق الحضرية.

وقد رأى بنيالوسا أن وجود شبكة نقل في أي مدينة أمر حاسم الأهمية لتحقيق المساواة. ويجب أن تكون للنقل العام أولوية على السيارات الخاصة لكي تسود الديمقراطية ويسود الصالح العام. واعتبر الطرق السريعة شاهداً على انعدام المساواة، وأنها أقيمت بأموال كان يجب أن تُنفق على تلبية احتياجات أهم للفقراء، بدلاً من أن تنفق مراعاة لأقلية صغيرة من الأثرياء. ومن ثم رفضت المدينة خطة لإقامة شبكة من الطرق السريعة وقررت بدلاً من ذلك أن تقيم شبكة نقل عام، وشوارع للمشاة، وممرات للدراجات. وحل محل نظام حافلات خاصة فوضوي نظام شبكة عنكبوتية تسير فيها حافلات محلية على خطوط سريعة مخصصة وتنقل الركاب بسرعة كبيرة. وأعادت الحواجز التي أقيمت على امتداد الشوارع الأرصفة إلى المشاة، وأزالت التقييدات 40 في المائة من السيارات من الشوارع أثناء فترات الذروة. وأقيمت أيضاً ممرات مخصصة للدراجات تمتد مسافة عدة مئات من الكيلومترات.

ولاحظ العمدة أن الفوارق في الدخل تكون محسوسة إلى أقصى حد أثناء قضاء وقت الفراغ: فبينما يستطيع المواطنون ذوو الدخل الأعلى الحصول على منازل كبيرة وحدائق والتردد على الأندية، يعيش ذوو الدخل المنخفض ويعيش أطفالهم في منازل مكتظة وتمثل الأماكن العامة بالنسبة لهم الخيار الوحيد لقضاء وقت الفراغ. وقام بنيالوسا بتحسين إمكانية الوصول إلى الأماكن الخضراء، والضفاف وأماكن المشي العامة، إيماناً منه بأن وجود حيز عام جيد للمشاة هو أمر يبدأ على الأقل في تدارك انعدام المساواة.

وكما يمكن توقع ذلك، أثارت هذه المبادرات وغيرها من المبادرات الرامية إلى تحقيق الإنصاف معارضة قوية. ولكن في النهاية، أظهرت بوغوتا أن من الممكن القيام بالكثير لتحقيق الإنصاف عن طريق استخدام الحيز العام استخداماً استراتيجياً. وتتاح أيضاً لواضعي السياسات في البلدان النامية، عند تضاعف سكان الحضر في بلدانهم، فرصة لاستخدام الحيز العام كعامل عظيم لتحقيق المساواة. فهو المكان الوحيد الذي يلتقي فيه جميع المواطنين كأشخاص سواسية في المدن.



CONTENTS