|
ارتفاع مستوى البحر: لا، إذا كان سيحدث بل متى سيحدث وما هو مداه؟(19)
من احتمالات تغير المناخ التي تدعو إلى القلق تأثيره على ارتفاع مستوى البحر وعواقبه المحتملة على المناطق الحضرية الساحلية. فالمناطق الساحلية تتركز فيها دائماً أعداد كبيرة من الناس والنشاط الاقتصادي لما يوجد فيها من موارد طبيعية وفرص تجارية. وكثرة من أكبر مدن العالم توجد على سواحل بحرية وعند مصبات أنهار كبرى. وكل من المناطق الحضرية والمناطق الريفية التي توجد فيها نظم إيكولوجية ساحلية هي الأكثر كثافة سكانية على الإطلاق في العالم.
وهؤلاء السكان، وبخاصة عندما يتركزون في مناطق حضرية كبيرة داخل مناطق إيكولوجية غنية، يمكن أن يمثلوا عبئاً على النظم الإيكولوجية الساحلية، وكثرة منها تتعرض أصلاً لضغوط. وهم يتعرضون بدرجة متزايدة لمخاطر نتيجة للأخطار البحرية من قبيل ارتفاع مستوى البحر واشتداد العواصف بفعل تغيُّر المناخ.
وارتفاع مستوى البحر، وبخاصة إذا اقترن بظواهر مناخية متطرفة، من شأنه أن يُغرق أجزاء كبيرة من هذه المناطق. ومن شأنه أيضاً أن يُدخل مياهاً مالحاً إلى المياه العذبة السطحية وإلى الطبقات الأرضية الحاملة للمياه، مما يؤثر على إمدادات المياه الخاصة بالمدن ويعدل النظم الإيكولوجية الحرجة التي تزود المناطق الحضرية بخدمات إيكولوجية وبموارد طبيعية. ومن شأنه حتماً أن يؤدي إلى الهجرة إلى مناطق حضرية أخرى. ومن شأن المستوطنات الساحلية في البلدان المنخفضة الدخل أن تكون أكثر عرضة للتأثر ومن شأن الفئات السكانية المنخفضة الدخل التي تعيش في السهول الفيضانية أن تكون هي الأشد عرضة للتأثر على وجه الإطلاق.
ويتضح من أول تقييم منتظم لهذه القضايا أن المناطق الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر يوجد فيها الآن 2 في المائة فقط من مساحة أراضي العالم ولكن يعيش فيها 13 في المائة من سكانه الحضريين(20). وعلى الرغم من انخفاض مستويات التحضر في أفريقيا وآسيا فإن نسبة سكان الحضر في المناطق الساحلية لديهما أكبر من النسبة المقابلة في أمريكا الشمالية أو أوروبا (انظر الجدول 2).
وهذه الاختلافات تجسد التراث الاستعماري في أفريقيا وآسيا، حيث نمت المدن الكبرى كموانئ ومراكز لتصدير المواد الخام(21). وتبرُز آسيا في هذا الصدد، لأنها تضم حوالي ثلاثة أرباع سكان العالم في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر، وثلثي سكانه الحضريين.
وتركُّز مستوطنات كبيرة في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر لافت للنظر. ومن ثم فإن حوالي 65 في المائة من المدن التي يتجاوز عدد سكان كل منها 5 ملايين شخص تتقاطع مع تلك المنطقة، وذلك بالمقارنة بنسبة لا تتجاوز 13 في المائة مـن المدن التي يقل عـدد سكان كل منها عن 000 100 شخص.
وبالنظر إلى الأخطار الحقيقية والمتزايدة لحدوث تغير بيئي عالمي في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر، فإن استمرار أنماط النمو الحضري الحالية تدعو إلى القلق. فمن منظور بيئي، من المرجح أن تتسبب التنمية الساحلية غير المحكومة في إلحاق ضرر بالنظم الإيكولوجية الحساسة والهامة وبغيرها من الموارد. وفي الوقت ذاته، من المرجح أن يعرِّض الاستيطان الساحلي، وبخاصة في الأراضي المنخفضة، السكان إلى الأخطار البحرية التي من المرجح أن تصبح أشد خطورة مع تغير المناخ.
واستمرار أنماط التحضر الحالية ستظل تجتذب مزيداً من السكان إلى المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر. ولقد كان النمو الاقتصادي في الصين، على وجه الخصوص، الموجه إلى التصدير مرتبطاً بهجرة ساحلية مكثفة (انظر الشكل 8). وتشهد أيضاً بنغلاديش، رغم انخفاض معدلات النمو الاقتصادي والتحضر فيها، تحولاً ملحوظاً في اتجاه السكان نحو المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر.
وحماية سكان السواحل من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ من شأنها أن تقتضي ابتعاد الهجرة عن المناطق الساحلية الأشد انخفاضاً عن مستوى سطح البحر. ومن شأنها أيضاً أن تقتضي تعديل الأشكال السائدة للاستيطان الساحلي.
ومن الواضح أن هذه التدخلات ستكون أيسر في المناطق الحضرية الجديدة. وسيكون من الجوهري تجنب السياسات التي تحبذ التنمية الساحلية وذلك إلى جانب فرض إدارة أكثر فعالية للمناطق الساحلية. إلا أن هذه التدابير تطلب رؤية والتزاماً ووقتاً تمهيدياً طويلاً.
ومن ثم من الأهمية بمكان التخطيط مسبقاً على أساس معلومات وتحليلات جيدة. ومن دواعي الأسف أن الاعتبارات البيئية لم يكن لها حتى الآن قدر كبير من التأثير على أنماط الاستيطان. وتغيير هذه الأنماط من شأنه أن يتطلب نهجاً استباقياً قلما يوجد، بالنظر إلى الأولوية المعطاة للنمو الاقتصادي. وهذا، بدوره، سيقتضي إذكاء الوعي والقيام بأنشطة للدعوة.
|