|
المدن: عبء أم بركة؟
إن صون حقوق أطفالنا وأحفادنا فيما يتعلق بالتمتع بالصحة والسعادة يتوقف على ما نفعله الآن بشأن التغير البيئي العالمي. ومعركة تحقيق مستقبل بيئي قابل للاستدامة هي معركة نخوضها أساساً في مدن العالم. فالآن، تجمع المدن ما بين الكثير من المشاكل البيئية الرئيسية لكوكب الأرض، وهي: النمو السكاني، والتلوث، وتدهور الموارد، وتوليد النفايات. ومن قبيل المفارقة أن المدن تمثل أيضاً أفضل فرصة متاحة لدينا لتحقيق مستقبل قابل للاستدامة.
وليس من الضروري أن يؤدي التركُّز الحضري إلى تفاقم المشاكل البيئية. فهذه المشاكل ترجع أساساً إلى أنماط إنتاج واستهلاك غير قابلة للاستدامة وإلى قصور في الإدارة الحضرية. والمحليات الحضرية تتيح بالفعل فرصاً أفضل للقابلية للاستدامة على المدى الطويل، بدءًا من تركيزها نصف سكان الأرض في أقل من 3 في المائة من مساحة أراضيها. وكما يشير
الفصل 4، من الأرجح أن يؤدي تشتت السكان والأنشطة الاقتصادية إلى جعل المشاكل أسوأ لا أفضل. ويمكن أيضاً أن يحول تبني النُهُج الصحيحة تحسباً للنمو الحضري دون حدوث كثير من المشاكل البيئية المرتبطة بالتحضر.
ومن زاوية ديمغرافية، لا تنطوي فحسب المستوطنات الكثيفة على قدرة على استيعاب أعداد كبيرة من السكان بصفة مستدامة أكبر من قدرة المناطق الريفية على ذلك، وإنما التحضر ذاته يشكل عاملاً مؤثراً في انخفاض الخصوبة. ويوفر التحضر حوافز قليلة للأسر الكبيرة ومثبطات عديدة لها.
إلا أن التحضر لن يؤتي ثماره من حيث القابلية للاستدامة تلقائياً: فهذه الثمار تتطلب الاستعداد بعناية. وقد أوضح الفصل السابق هذه المسألة فيما يتعلق بالتنظيم الداخلي للمدن. أما هذا الفصل فهو يتناول الطريقة التي تؤثر بها المدن على المشاكل البيئية العالمية، والطريقة التي تتأثر بها بتلك المشاكل.
تبني النظرة الأوسع نطاقاً(2)
يبذل الناس بالفعل قدراً كبيراً من الجهد على الصعيد المحلي لجعل الأماكن الحضرية أصلح للسكنى وأكثر مراعاة للبيئة(3). وباستطاعة المدن أن تتعلم من بعضها البعض وأن تستخدم التجارب الإيجابية لصالحها. إلا أن إيجاد حلول محلية للمشاكل الموجودة حالياً لا يكفي، بالنظر إلى سرعة تضاعف أعداد سكان الحضر في البلدان النامية في عهد العولمة الاقتصادية. وسيتعين إدماج الاستراتيجيات المحلية في إطار زمني ومكاني شامل لمعالجة المشاكل الأوسع نطاقاً ولكفالة القابلية للاستدامة على المدى الأطول.
ويوفر مفهوم التغيُّر البيئي العالمي إطاراً من هذا القبيل. فهذا التغير هو محصلة مجموعة من التحديات البيئية المحلية أو الوطنية أو الإقليمية(4). ويشير أيضاً هذا التغير إلى تأثيرات هذه التحديات، ومن ذلك على سبيل المثال التغيرات في درجة الحرارة ونُظم الهطول التي يمكن أن تؤدي إلى زيادة وتيرة الفيضانات وحالات الجفاف، أو ترفع مستوى البحر، أو تكون عاملاً مؤثراً في انتشار الأمراض والأنواع الغازية.
والمناطق الحضرية تُسهم في التغيرات البيئية العالمية، عن طريق استهلاك الموارد واستخدام الأراضي وإنتاج النفايات، وتعاني أيضاً من تأثيرات تلك التغيرات. ولن تكون العواقب الكاملة للتغيرات البيئية العالمية محسوسة إلا على المدى المتوسط أو المدى الطويل. وبالنظر إلى هذا الفارق الزمني، فإنها كثيراً ما تكون موضع تجاهل لصالح مشاكل بيئية أكثر إلحاحاً بصفة فورية من قبيل إمدادات المياه، والصرف الصحي، والتخلص من النفايات.
ومع ذلك يجب على واضعي السياسات أن يكونوا مدركين أن قراراتهم المحلية لها تأثيرات بعيدة المدى، وعلى العكس من ذلك قد يكون للتغيرات المناخية أو للتغيرات في النظم الإيكولوجية تأثير محلي فقط. وكلا الجانبين يتطلبان معلومات أفضل ورؤية أطول أجلاً. فالقرارات التي تُتخذ اليوم بشأن مصادر الطاقة ونظم النقل والتخطيط المكاني سيكون لها تأثير طويل الأجل على العمليات الفيزيائية الأحيائية الإقليمية والعالمية التي تُسهم في حدوث التغييرات البيئية العالمية. وحل المشاكل الموجودة حالياً يمكن أن يساعد على التخفيف من تأثيرات تلك التغييرات، ولكن ذلك لا يتحقق إلا إذا أُخذت في الاعتبار صراحة التفاعلات بين المشاكل الحضرية المحلية والعمليات الإقليمية والعالمية.
وهذا التفكير وهذا التخطيط المتكاملان يمكن
أن يؤديا إلى زيادة قدرة المناطق الحضرية على الصمود في مواجهة
الهزات المتعلقة بالتغيرات البيئية العالمية. فعلى سبيل المثال،
يمكن أن يساعدا على صون النظم الإيكولوجية الصحية أو كفالة إقامة
النظم الجديدة للنقل ولإمداد المياه والطاقة على نحو يجعلها تتحمل
الأخطار المتعلقة بالمناخ. وعلى العكس من ذلك، قد تُسهم الإجراءات
الموجهة إلى معالجة القضايا العالمية الطويلة الأجل في حل المشاكل
البيئية المحلية والفورية بدرجة أكبر.
التطلع إلى ما يتجاوز الرؤية المحلية
تعتمد المناطق الحضرية على الموارد الطبيعية فيما يتعلق بالحصول على المياه والغذاء ومواد البناء والطاقة والتخلص من النفايات. والتحضر، بدوره، يُحدث تحولاً في التضاريس المحلية وكذلك في النظم البيئية سواء كانت محلية أو خارجية.
والمدن الضخمة تجتذب الاهتمام بحكم حجمها وهيمنتها الاقتصادية. إلا أن المدن الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي يقطنها حالياً أكثر من نصف سكان العالم الحضريين ومن المتوقع أن يستمر دورها المهيمن، تواجه تحديات وضغوطاً مماثلة(5) .
وتصوِّر قضيتان على وجه الخصوص التفاعل بين التحضر والموارد الطبيعية وتفاعله مع التغيرات البيئية العالمية. والقضية الأولى، وهي التغيرات التي تحدث في استخدام الأراضي وفي غطاء الأرض، قد سبقت مناقشتها بقدر من الإسهاب في
الفصل 4. ويهتم هذا الفصل اهتماماً أكبر بتأثير تغير المناخ وتقلبيته.
تغيرات غطاء الأرض
إن سرعة توسُّع المناطق الحضرية تؤدي إلى تغيير غطاء الأرض وتتسبب في فقدان موائل. وقد أشار
الفصل 4 إلى الكيفية التي يمكن بها أن يؤدي تآلف النمو السكاني الحضري، ونقصان الكثافات، والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن، إلى تحويل أجزاء كبيرة من الأراضي القيّمة إلى استخدامات حضرية في العقود المقبلة.
والتحديات البيئية التي يمثلها تحويل النظم الإيكولوجية الطبيعية والزراعية إلى الاستخدام الحضري تترتب عليها آثار هامة من حيث أداء النظم العالمية. ويتوقف مدى خطورتها على المكان الذي سيحدث فيه توسع المحليات الحضرية وكيفية حدوثه. ويتوقف حتى أكثر من ذلك على أنماط الاستهلاك التي يفرضها سكان المدن.
"فالآثار الحضرية" تنتشر فيما يتجاوز المناطق المحيطة مباشرة بالمدن، وبخاصة في البلدان المتقدمة. ويؤدي ارتفاع الدخل وتصاعد معدلات الاستهلاك في المناطق الحضرية إلى زيادة الضغوط على الموارد الطبيعية، مما يفضي إلى حدوث تغيرات في استخدام الأراضي وفي غطاء الأرض في المناطق الخاضعة لنفوذها، بحيث يشمل ذلك في بعض الأحيان مساحات شاسعة. وهذا يتسبب عادة في إلحاق خسائر بالموئل وبخدمات النظم الإيكولوجية أكبر كثيراً من الخسائر التي يتسبب فيها التوسع الحضري ذاته.
فعلى سبيل المثال، أُزيلت الغابات الاستوائية في تباسكو لتوفير حيز من أجل الماشية، وذلك استجابة لتصاعد الطلب على اللحوم في مكسيكو، التي تبعد عن تباسكو 400 كيلومتر. ويؤدي أيضاً تزايد الطلب على فول الصويا واللحوم في المناطق الحضرية في الصين، بالإضافة إلى الطلب من اليابان والولايات المتحدة وأوروبا، إلى تسارع إزالة الغابات في منطقة نهر الأمازون في البرازيل(6) .
ومفهوم "الآثار الحضرية"، الذي يُستخدم لوصف هذا التوسع في دائرة الاستهلاك الحضري، أصبح الآن مألوفاً إلى حد كبير(7) . ولكن كثيرين يتصورون أنه يعني أن التركُّز الحضري ذاته هو المشكلة، لا الاستهلاك من جانب عدد كبير من ميسوري الحال. ومن الواضح أن المراكز الحضرية الموجودة في البلدان الفقيرة ليست فيها نفس الآثار الموجودة في البلدان المتقدمة.
ومفهوم التحول البيئي يبرز الاختلافات بين المدن في البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان ذات الدخل المنخفض(8) . ففي مدن البلدان الفقيرة، تكون المشاكل البيئية محلية وتتعلق في معظمها بالصحة، من قبيل عدم كفاية المياه وقصور الصرف الصحي وسوء الهواء (داخل المنازل وخارجها كذلك) ومحدودية التخلص من النفايات أو عدم وجوده أصلاً. ومع تزايد متوسط الدخل، تصبح هذه المشاكل الفورية أقل إلحاحاً، ولكن التغيرات في أنشطة الإنتاج وفي أنماط الاستهلاك تؤدي إلى زيادة التأثير على المناطق الريفية المحيطة. وفي المدن الأكثر ثراءً، انخفضت عادة التأثيرات المحلية والإقليمية عن طريق التوسع في التنظيم البيئي، والاستثمار في معالجة النفايات، ومكافحة التلوث، والتحول في القاعدة الاقتصادية عن الصناعة إلى الخدمات. ولكن الثراء يؤدي إلى زيادة التأثير على الأعباء البيئية العالمية، ومن قبيل تغير المناخ.
وقضية المياه هامة على وجه الخصوص في هذه المناقشة. فاعتماد المدن على إمدادات مضمونة من المياه يفرض احتياجات كبيرة من حيث الإمدادات العالمية من المياه العذبة. وتتنافس المدن فعلاً مع احتياجات الزراعة الأكبر كثيراً إلى موارد مياه تتسم بالشحة في بعض المناطق من قبيل جنوب غرب الولايات المتحدة، والشرق الأوسط، والجنوب الأفريقي، وأجزاء من وسط آسيا، ومنطقة الساحل. وفي الحالات المتطرفة – ومنها مثلاً نظام كوتزمالا الذي يزود مكسيكو بالمياه – يجري إغراق قرى بأكملها أو نقلها إلى أماكن أخرى للتمكين من إقامة بنية تحتية للإمداد بالمياه. وهذا سيشاهَد على نطاق هائل إذا أكملت الصين تحويل المياه من الجنوب إلى الشمال(9) . وفي نهاية المطاف، تنافس المدن المستخدمين الريفيين والزراعيين على إمدادات المياه المتوافرة(10) .
ويمكن للمناطق الحضرية أن تؤثر في موارد المياه وفي الدورة الهيدرولوجية بطريقتين أخريين رئيسيتين هما: أولاً، عن طريق توسيع الطرق، وأماكن إيقاف السيارات، والأسطح الأخرى المنيعة، مما يلوث السيح ويحد من امتصاص مياه الأمطار ومن تجدد الطبقات الأرضية الحاملة للمياه؛ وثانياً، عن طريق الإنشاءات الكهربائية المائية الكبيرة النطاق التي تساعد على تلبية الاحتياجات الحضرية من حيث الطاقة(11) .
وتصور هذه الأمثلة تعقيدات التصدي لتأثيرات المدن على النظم الفيزيائية الأحيائية وتبرز الحاجة إلى منظور واسع النطاق ومتكامل.
المدن وتغير المناخ
يشمل تغير المناخ وعواقبه على العمليات الحضرية نطاقاً واسعاً. فالكوارث الطبيعية المتعلقة بالمناخ تتزايد وتيرتها ويتزايد حجمها. وستتوقف آثارها على عدد من العوامل، من بينها قدرة الناس والأماكن على الصمود أو ضعفهم.
ولقد شكلت الأحوال المناخية دائماً البيئة العمرانية. ولكن منذ خمسينات القرن العشرين تزايد التخلي عن الأنماط التقليدية المتكيفة مع الأحوال المناخية المحلية. وتنحو العولمة وسرعة التطورات التكنولوجية إلى تشجيع التصميم المعماري والحضري المتجانس، بصرف النظر عن الأحوال الطبيعية. وتصاحب هذا المعمار الموحد زيادة في استهلاك الطاقة من جراء نقل المواد الخارجية المنشأ ومن استخدام تصميم وحيد للمباني في طائفة متنوعة من البيئات والأحوال المناخية بدون إيلاء المراعاة لكفاءته من حيث استخدام الطاقة. وفي بعض الأماكن، تكون الطاقة زهيدة التكلفة إلى حد كبير بحيث لا تحفز على تصميم يتسم بمزيد من الكفاءة من حيث استخدام الطاقة؛ وفي حالات أخرى يتجاهل المقاولون التكاليف، بالنظر إلى أن أسعار البيع لا تجسد الوفورات التي تتحقق مستقبلاً من ارتفاع الكفاءة في استخدام الطاقة.
ولقد أدى استخدام الأشكال المعمارية والحضرية الجديدة، والمواد والمبتكرات الجديدة من قبيل تكييف الهواء، إلى رفع تكاليف كل من الطاقة ومساهمات المدن في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وأتاحت أيضاً أوجه التقدم التكنولوجي سرعة نمو المدن في أماكن كانت تعتبر سابقاً غير قابلة للسكنى. فعلى سبيل المثال، انتعشت مدينة فينكس الأمريكية بفضل مشاريع هندسية حوَّلت مسار المياه من نهر كولورادو؛ كما أن مياه مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية مصدرها إلى حد كبير منشآت لإزالة الملوحة.
ويساعد أيضاً الشكل والوظيفة الحضريان على تحديد طبيعة التفاعلات بين المدن وتغير المناخ المحلي. فعلى سبيل المثال، ينجم "تأثير السخونة الحضرية الشبيه بسخونة الجزر" عن تأثيرات استخدامات مختلفة للأراضي في المناطق الحضرية مما يتسبب في وجود مناخات جزئية وعواقب صحية.
وتأثير السخونة الحضرية الشبيهة بسخونة الجزر هو زيادة في درجات الحرارة في قلب المناطق الحضرية بالمقارنة بالمناطق المحيطة. وحجم المركز الحضري ونوع التحضر والشكل الحضري ووظيفته واستخدام الأراضي هي كلها أمور تُسهم في إحداث هذا التأثير. ومع نمو القرى بحيث تتحول إلى بلدات ثم إلى مدن فإن متوسط درجة الحرارة فيها يرتفع بمقدار يتراوح من درجتين إلى 6 درجات مئوية بالمقارنة بالريف المحيط بها(12).
والتصميمات والأشكال الحضرية التي تتجاهل الأحوال المناخية المحلية وتفقد تأثيرات التبريد التي تتميز بها المناطق الخضراء تؤدي إلى تفاقم تأثير السخونة الشبيهة بسخونة الجزر. وتتأثر بذلك على وجه الخصوص مدن البلدان الفقيرة في المناطق الاستوائية.
ومن المحتمل أن تكون للنمو الحضري السريع، المقترن بتأثيرات قوية لتقلبية المناخ ولتغيّره، عواقب شديدة بالنسبة للصحة البيئية في المناطق الاستوائية (بحيث يتسبب، مثلاً، في شدة السخونة وتراكم الأوزون في التروبوسفير)، مما يمكن أن يؤثر على الاقتصاد الحضري (بحيث يؤثر مثلاً على ناتج اليد العاملة والأنشطة الاقتصادية) وعلى التنظيم الاجتماعي.
وفي دورة مفرغة، سيؤدي تغير المناخ إلى زيادة الحاجة إلى الطاقة من أجل تكييف الهواء في المناطق الحضرية وسيسهم في إحداث سخونة في المناطق الحضرية أشبه بسخونة الجزر عن طريق التلوث الناجم عن السخونة. والتلوث الناجم عن السخونة، والسخام، والأوزون على مستوى الأرض، ليست ظواهر حضرية فقط؛ فهي تؤثر أيضاً على المناطق الريفية المحيطة، وتؤدي إلى الحد من الغلات الزراعية(13)، وإلى زيادة المخاطر الصحية(14) وتتسبب في أعاصير وعواصف رعدية.
وقد تعاني صحة الإنسان في المناطق الحضرية نتيجة لتغير المناخ، وبخاصة في المناطق الحضرية الفقيرة التي يكون سكانها هم الأقل قدرة على التأقلم. وهم يعانون فعلاً من طائفة من المشاكل المرتبطة بالفقر والغبن. وسيؤدي تغير المناخ إلى تفاقم هذه الأوضاع. فعلى سبيل المثال، تمثل المناطق الفقيرة التي تفتقر إلى الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات، إلى جانب الاكتظاظ في المعيشة، وقلة إمدادات المياه وقصور الصرف الصحي، مناطق مثالية لنشر أمراض الجهاز التنفسي والأمراض المعوية، ولتكاثر الناموس وغيره من ناقلات الأمراض الاستوائية من قبيل الملاريا وحمى الضنك والحمى الصفراء. كما أن التغيرات التي تحدث في درجات الحرارة والهطول يمكن أن تنشر الأمراض في مناطق لم تكن تتعرض لذلك سابقاً ويمكن أن تساعد على انتشار الأمراض في مناطق توجد فيها أمراض بالفعل. وقد تؤثر التغيرات التي تحدث في المناخ والدورة المائية على إمدادات المياه، وتوزيع المياه وجودتها في المناطق الحضرية، مما تكون له عواقب هامة من حيث الأمراض التي تنقلها المياه.
ومن المرجح أن تكون تأثيرات تغير المناخ على إمدادات المياه الحضرية هائلة. فبلدان فقيرة كثيرة تواجه بالفعل نقصاً متراكماً في إمدادات المياه وقصوراً في توزيعها وجودتها، ولكن تغير المناخ من المرجح أن يؤدي إلى زيادة هذه الصعوبات. ويشدد التقرير الذي أصدرته مؤخراً الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ على أن المدن في المناطق الأكثر جفافاً، من قبيل كراتشي في باكستان ونيودلهي في الهند، ستتعرض هي بالذات لمشاكل شديدة في هذا الصدد(15).
الفقر والقابلية للتعرض للكوارث الطبيعية
إن المدن لديها قابلية شديدة للتعرض لأزمات وكوارث طبيعية: فحدوث أوجه نقص مفاجئة في الإمدادات، أو وجود أعباء بيئية شديدة، أو حدوث كوارث كبرى هي أمور يمكن أن تؤدي بسرعة إلى حالات طوارئ خطيرة. وعواقب هذه الأزمات تتضاعف بفعل سوء تنسيق عمليات الإدارة والتخطيط.
ولقد أصبحت الكوارث الطبيعية أكثر شيوعاً وأكثر شدة أثناء العقدين الماضيين، بحيث تعرّض لها عدد من المدن الكبيرة
(انظر الشكل 7). ويفيد برنامج الأمم المتحدة للبيئة بأن 75 في المائة من مجموع سكان العالم كانوا في الفترة ما بين عام 1980 وعام 2000 يعيشون في مناطق تعرضت لكوارث طبيعية(16). وفي عام 1999، حدث أكثر من 700 كارثة طبيعية كبرى، تسببت في خسائر اقتصادية تجاوزت قيمتها 100 بليون دولار أمريكي كما تسببت في إزهاق أرواح آلاف من الضحايا. وقد حدث في بلدان فقيرة أكثر من 90 في المائة من الخسائر في الأرواح من جراء الكوارث الطبيعية في مختلف أنحاء العالم.
وتأثيرات التغير البيئي العالمي، وبخاصة المخاطر المرتبطة بالمناخ، تؤثر تأثيراً غير متناسب على الفقراء والضعفاء، أي على أولئك الذين يعيشون في مناطق عشوائية نات على جوانب التلال المنحدرة، في مناطق لا يوجد فيها تصريف جيد أو في مناطق ساحلية منخفضة(17). فعلى سبيل المثال، ساهم وجود مستوطنات غير رسمية لمدة عقود على جوانب التلال المحيطة بكراكاس، فنزويلا، في إحداث التأثير المدمر للفيضانات والانهيارات الأرضية السريعة التي حدثت في كانون الأول/ديسمبر 1999، والتي ذكرت التقارير أنها تسببت في مقتل 000 30 شخص وأثرت على ما يقرب من نصف مليون شخص آخرين(18). ويبين تأثير إعصار كاترينا على نيو أورليانز (الإطار 23) أن البلدان المتقدمة ليست أيضاً محصنة ضد التعرض لكوارث واسعة النطاق من هذا القبيل.
 |
|
|
لقد تسبب إعصار كاترينا في حدوث هبوط أرضي على ساحل خليج الولايات المتحدة في 29 آب/أغسطس 2005. وأدى إلى مصرع أكثر من 800 2 شخص، ودمّر حياة أشخاص كثيرين، وأطاح بالمنازل، وخلّف وراءه مئات الآلاف من الناجين بلا مأوى. ويقدر أن 9.7 ملايين شخص يعيشون في ألاباما ولويزيانا وميسيسيبي قد تعرضوا لرياح بفعل الإعصار. وكانت أكبر تأثيرات الإعصار هي تأثيراته على مدينة نيو أورليانز وفي منطقة ساحل الميسيسيبي، ولكنه تسبب في دمار امتد مسافة قدرها 160 كيلومتراً من مركزه بحيث شمل قطاعاً كبيراً من شمال وسط ساحل الخليج.
ويعيش حوالي 4.9 ملايين شخص، أي حوالي 41 في المائة من السكان، في الولايات الثلاث التي كانت نكبتها بالإعصار هي الأشد، في مناطق ساحلية. ويعيش حوالي 3.2 ملايين شخص داخل منطقة الفيضان الوشيك أو الذي يحدث فعلاً. وكان الفقراء هم الأشد نكبة بالإعصار. فالأمريكيون الأفارقة والمسنون كان من الأرجح أن يكونوا مقيمين في منطقة تتعرض للفيضان وكان من الأرجح أن يلقوا مصرعهم نتيجة للفيضان بالمقارنة بالبيض غير المسنين.
|
ويمكن أيضاً للجفاف والفيضانات والعواقب الأخرى لتغير المناخ أن تعدّل أنماط الهجرة بين المناطق الريفية والحضرية أو داخل المناطق الحضرية. فعلى سبيل المثال، أدت الفيضانات الشديدة التي حدثت في حوض نهر يانغتسي، بالصين، في عامي 1998 و 2002، والتي نجمت عن مزيج من تقلبية المناخ وحدوث تغيرات في غطاء الأرض بفعل الإنسان، إلى تشريد ملايين من الناس، كانوا أساساً من المزارعين الكفافيين وقرويين. ويمكن مشاهدة أمثلة مشابهة في الهند والمكسيك وبلدان أخرى فقيرة. وكثيرون من "اللاجئين البيئيين" هؤلاء لا يعودون أبداً إلى المناطق الريفية التي نزحوا منها.
ارتفاع مستوى البحر: لا، إذا كان سيحدث بل متى سيحدث وما هو مداه؟(19)
من احتمالات تغير المناخ التي تدعو إلى القلق تأثيره على ارتفاع مستوى البحر وعواقبه المحتملة على المناطق الحضرية الساحلية. فالمناطق الساحلية تتركز فيها دائماً أعداد كبيرة من الناس والنشاط الاقتصادي لما يوجد فيها من موارد طبيعية وفرص تجارية. وكثرة من أكبر مدن العالم توجد على سواحل بحرية وعند مصبات أنهار كبرى. وكل من المناطق الحضرية والمناطق الريفية التي توجد فيها نظم إيكولوجية ساحلية هي الأكثر كثافة سكانية على الإطلاق في العالم.
وهؤلاء السكان، وبخاصة عندما يتركزون في مناطق حضرية كبيرة داخل مناطق إيكولوجية غنية، يمكن أن يمثلوا عبئاً على النظم الإيكولوجية الساحلية، وكثرة منها تتعرض أصلاً لضغوط. وهم يتعرضون بدرجة متزايدة لمخاطر نتيجة للأخطار البحرية من قبيل ارتفاع مستوى البحر واشتداد العواصف بفعل تغيُّر المناخ.
وارتفاع مستوى البحر، وبخاصة إذا اقترن بظواهر مناخية متطرفة، من شأنه أن يُغرق أجزاء كبيرة من هذه المناطق. ومن شأنه أيضاً أن يُدخل مياهاً مالحاً إلى المياه العذبة السطحية وإلى الطبقات الأرضية الحاملة للمياه، مما يؤثر على إمدادات المياه الخاصة بالمدن ويعدل النظم الإيكولوجية الحرجة التي تزود المناطق الحضرية بخدمات إيكولوجية وبموارد طبيعية. ومن شأنه حتماً أن يؤدي إلى الهجرة إلى مناطق حضرية أخرى. ومن شأن المستوطنات الساحلية في البلدان المنخفضة الدخل أن تكون أكثر عرضة للتأثر ومن شأن الفئات السكانية المنخفضة الدخل التي تعيش في السهول الفيضانية أن تكون هي الأشد عرضة للتأثر على وجه الإطلاق.
ويتضح من أول تقييم منتظم لهذه القضايا أن المناطق الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر يوجد فيها الآن 2 في المائة فقط من مساحة أراضي العالم ولكن يعيش فيها 13 في المائة من سكانه الحضريين(20). وعلى الرغم من انخفاض مستويات التحضر في أفريقيا وآسيا فإن نسبة سكان الحضر في المناطق الساحلية لديهما أكبر من النسبة المقابلة في أمريكا الشمالية أو أوروبا (انظر الجدول 2).
وهذه الاختلافات تجسد التراث الاستعماري في أفريقيا وآسيا، حيث نمت المدن الكبرى كموانئ ومراكز لتصدير المواد الخام(21). وتبرُز آسيا في هذا الصدد، لأنها تضم حوالي ثلاثة أرباع سكان العالم في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر، وثلثي سكانه الحضريين.
وتركُّز مستوطنات كبيرة في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر لافت للنظر. ومن ثم فإن حوالي 65 في المائة من المدن التي يتجاوز عدد سكان كل منها 5 ملايين شخص تتقاطع مع تلك المنطقة، وذلك بالمقارنة بنسبة لا تتجاوز 13 في المائة مـن المدن التي يقل عـدد سكان كل منها عن 000 100 شخص.
وبالنظر إلى الأخطار الحقيقية والمتزايدة لحدوث تغير بيئي عالمي في المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر، فإن استمرار أنماط النمو الحضري الحالية تدعو إلى القلق. فمن منظور بيئي، من المرجح أن تتسبب التنمية الساحلية غير المحكومة في إلحاق ضرر بالنظم الإيكولوجية الحساسة والهامة وبغيرها من الموارد. وفي الوقت ذاته، من المرجح أن يعرِّض الاستيطان الساحلي، وبخاصة في الأراضي المنخفضة، السكان إلى الأخطار البحرية التي من المرجح أن تصبح أشد خطورة مع تغير المناخ.
واستمرار أنماط التحضر الحالية ستظل تجتذب مزيداً من السكان إلى المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر. ولقد كان النمو الاقتصادي في الصين، على وجه الخصوص، الموجه إلى التصدير مرتبطاً بهجرة ساحلية مكثفة (انظر الشكل 8). وتشهد أيضاً بنغلاديش، رغم انخفاض معدلات النمو الاقتصادي والتحضر فيها، تحولاً ملحوظاً في اتجاه السكان نحو المنطقة الساحلية المنخفضة الارتفاع عن مستوى سطح البحر.
وحماية سكان السواحل من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ من شأنها أن تقتضي ابتعاد الهجرة عن المناطق الساحلية الأشد انخفاضاً عن مستوى سطح البحر. ومن شأنها أيضاً أن تقتضي تعديل الأشكال السائدة للاستيطان الساحلي.
ومن الواضح أن هذه التدخلات ستكون أيسر في المناطق الحضرية الجديدة. وسيكون من الجوهري تجنب السياسات التي تحبذ التنمية الساحلية وذلك إلى جانب فرض إدارة أكثر فعالية للمناطق الساحلية. إلا أن هذه التدابير تطلب رؤية والتزاماً ووقتاً تمهيدياً طويلاً.
ومن ثم من الأهمية بمكان التخطيط مسبقاً على أساس معلومات وتحليلات جيدة. ومن دواعي الأسف أن الاعتبارات البيئية لم يكن لها حتى الآن قدر كبير من التأثير على أنماط الاستيطان. وتغيير هذه الأنماط من شأنه أن يتطلب نهجاً استباقياً قلما يوجد، بالنظر إلى الأولوية المعطاة للنمو الاقتصادي. وهذا، بدوره، سيقتضي إذكاء الوعي والقيام بأنشطة للدعوة.
التأقلم مع تغير المناخ
قد لا تكون لتفاعلات أخرى مع المناخ نفس العواقب الهائلة المرتبطة بالكوارث الطبيعية، ولكنها مع ذلك لها عواقب كبيرة بالنسبة للحياة وللوظائف الحضرية. فعلى سبيل المثال، قد يكون للتغيرات التي تحدث في متوسط درجات الحرارة ودرجات الحرارة القصوى، أو في كثافة وطول الفصول، تأثير كبير على أمور من قبيل الأنشطة الاقتصادية (ومنها مثلاً السياحة)؛ وإنتاجية العمال؛ واستخدام الحيز الحضري لأغراض التفاعل الاجتماعي؛ ومؤشر الراحة؛ وإمدادات المياه وتوزيعها وجودتها؛ والطلب على الطاقة.
وينبغي أن تؤدي هذه الطائفة الواسعة من التأثيرات على المناطق الحضرية إلى استجابات تأقلمية تناسب الأوضاع والموارد المحلية. والتأقلم مع الأوضاع الجغرافية المادية المحلية ومع الظروف المناخية المحلية له تأثير هام على أنماط التشييد وعلى طرق بناء المناطق الحضرية. ويؤدي أيضاً التأقلم مع الدورات الفيزيائية الأحيائية إلى تعديل استخدام الأراضي داخل المناطق الحضرية ويحدد الطريقة التي تنمو بها المدينة.
وعلى الرغم من تزايد المعرفة بشأن هذه القضايا، مازلنا نفتقر إلى منظور شامل للكيفية التي يسهم بها تغير المناخ في تشكيل البيئة العمرانية، أو للكيفية التي ينبغي بها أن تتأقلم البيئة العمرانية حسب التغيرات المحتملة في النظم السائدة لدرجات الحرارة والهطول.
وتلعب المؤسسات دوراً هاماً في مساعدة النظم الحضرية على التأقلم والتكيف مع العواقب السلبية للتغير البيئي العالمي. فعلى سبيل المثال، تمثل إقامة شبكات دولية من المدن اتجاهاً جديداً ومفعماً بالأمل فيما يتعلق بالاهتمام بالقضايا البيئية الحضرية(22). فهذه الشبكات تسعى إلى تيسير تبادل المعلومات وبناء القدرات على الصعيد المحلي بشأن القضايا الحضرية والبيئية، ويمكن أيضاً أن تصبح مؤثرة سياسياً في مراحل بالغة الأهمية.
تدابير محلية، وعواقب عالمية: تغير عالمي، وتأثير محلي
يشير هذا الفصل إلى أن القابلية الحضرية للاستدامة على المدى الأطول تتوقف على قدرة واضعي السياسات على تبني رؤية أوسع نطاقاً لاستخدام الحيز وعلى ربط التطورات المحلية بعواقبها العالمية.
فوجود منظور أوسع نطاقاً يحسِّن فعالية الإجراءات المحلية بينما يعمل على تحقيق القابلية للاستدامة على مدى أطول. فعلى سبيل المثال، يتطلب التخطيط المحلي للتنمية الساحلية، كحد أدنى، رؤية أوسع نطاقاً تربط ما بين الخطط الاقتصادية المقترحة وأمور من قبيل الجوانب المكانية، واستخدام الأراضي، ومعدلات وخصائص النمو الديمغرافي، واحتياجات الفقراء من حيث المأوى والخدمات، والبنية التحتية، وكفاءة الطاقة، والتخلص من النفايات.
وهو يستلزم أيضاً رؤية تستلهم الشواغل البيئية العالمية، وذلك تجنباً لإلحاق الضرر بالنظم الإيكولوجية الحساسة وبالموارد الأخرى. وينبغي أن يحدد المنظور المحلي والمنظور العالمي كلاهما، وتحدد كذلك معلومات جيدة، اتجاه نمو المدن في المستقبل.
وتتيح القضايا الحضرية فرصاً فريدة لترجمة البحوث العلمية إلى سياسات محددة. وهي تشمل عدداً كبيراً من أصحاب الشأن، على الصعيد الوطني وعلى صعيد المدينة والحي والأسرة المعيشية، ومن بينهم الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وبالنظر إلى تزايد الاهتمام من جانب عدد من المنظمات الدولية، ومن جانب الحكومات الوطنية والمحلية، ينبغي أن يصبح إذكاء الوعي العالمي بدءًا من السياق الحضري المحلي أيسر.
والمناطق الحضرية تكون أيضاً عادة أكثر ثراءً من المناطق الريفية ومن ثم أقدر على إيجاد تمويل محلي للمشاريع الكبرى. وستتوقف فعاليتها في نهاية المطاف على اتخاذ موقف استباقي بدرجة أكبر، تقف وراءه رؤية للإجراءات اللازمة الآن لضمان القابلية للاستدامة على المدى الأطول.
|