|
تغيرات غطاء الأرض
إن سرعة توسُّع المناطق الحضرية تؤدي إلى تغيير غطاء الأرض وتتسبب في فقدان موائل. وقد أشار
الفصل 4 إلى الكيفية التي يمكن بها أن يؤدي تآلف النمو السكاني الحضري، ونقصان الكثافات، والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن، إلى تحويل أجزاء كبيرة من الأراضي القيّمة إلى استخدامات حضرية في العقود المقبلة.
والتحديات البيئية التي يمثلها تحويل النظم الإيكولوجية الطبيعية والزراعية إلى الاستخدام الحضري تترتب عليها آثار هامة من حيث أداء النظم العالمية. ويتوقف مدى خطورتها على المكان الذي سيحدث فيه توسع المحليات الحضرية وكيفية حدوثه. ويتوقف حتى أكثر من ذلك على أنماط الاستهلاك التي يفرضها سكان المدن.
"فالآثار الحضرية" تنتشر فيما يتجاوز المناطق المحيطة مباشرة بالمدن، وبخاصة في البلدان المتقدمة. ويؤدي ارتفاع الدخل وتصاعد معدلات الاستهلاك في المناطق الحضرية إلى زيادة الضغوط على الموارد الطبيعية، مما يفضي إلى حدوث تغيرات في استخدام الأراضي وفي غطاء الأرض في المناطق الخاضعة لنفوذها، بحيث يشمل ذلك في بعض الأحيان مساحات شاسعة. وهذا يتسبب عادة في إلحاق خسائر بالموئل وبخدمات النظم الإيكولوجية أكبر كثيراً من الخسائر التي يتسبب فيها التوسع الحضري ذاته.
فعلى سبيل المثال، أُزيلت الغابات الاستوائية في تباسكو لتوفير حيز من أجل الماشية، وذلك استجابة لتصاعد الطلب على اللحوم في مكسيكو، التي تبعد عن تباسكو 400 كيلومتر. ويؤدي أيضاً تزايد الطلب على فول الصويا واللحوم في المناطق الحضرية في الصين، بالإضافة إلى الطلب من اليابان والولايات المتحدة وأوروبا، إلى تسارع إزالة الغابات في منطقة نهر الأمازون في البرازيل(6).
ومفهوم "الآثار الحضرية"، الذي يُستخدم لوصف هذا التوسع في دائرة الاستهلاك الحضري، أصبح الآن مألوفاً إلى حد كبير(7). ولكن كثيرين يتصورون أنه يعني أن التركُّز الحضري ذاته هو المشكلة، لا الاستهلاك من جانب عدد كبير من ميسوري الحال. ومن الواضح أن المراكز الحضرية الموجودة في البلدان الفقيرة ليست فيها نفس الآثار الموجودة في البلدان المتقدمة.
ومفهوم التحول البيئي يبرز الاختلافات بين المدن في البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان ذات الدخل المنخفض(8). ففي مدن البلدان الفقيرة، تكون المشاكل البيئية محلية وتتعلق في معظمها بالصحة، من قبيل عدم كفاية المياه وقصور الصرف الصحي وسوء الهواء (داخل المنازل وخارجها كذلك) ومحدودية التخلص من النفايات أو عدم وجوده أصلاً. ومع تزايد متوسط الدخل، تصبح هذه المشاكل الفورية أقل إلحاحاً، ولكن التغيرات في أنشطة الإنتاج وفي أنماط الاستهلاك تؤدي إلى زيادة التأثير على المناطق الريفية المحيطة. وفي المدن الأكثر ثراءً، انخفضت عادة التأثيرات المحلية والإقليمية عن طريق التوسع في التنظيم البيئي، والاستثمار في معالجة النفايات، ومكافحة التلوث، والتحول في القاعدة الاقتصادية عن الصناعة إلى الخدمات. ولكن الثراء يؤدي إلى زيادة التأثير على الأعباء البيئية العالمية، ومن قبيل تغير المناخ.
وقضية المياه هامة على وجه الخصوص في هذه المناقشة. فاعتماد المدن على إمدادات مضمونة من المياه يفرض احتياجات كبيرة من حيث الإمدادات العالمية من المياه العذبة. وتتنافس المدن فعلاً مع احتياجات الزراعة الأكبر كثيراً إلى موارد مياه تتسم بالشحة في بعض المناطق من قبيل جنوب غرب الولايات المتحدة، والشرق الأوسط، والجنوب الأفريقي، وأجزاء من وسط آسيا، ومنطقة الساحل. وفي الحالات المتطرفة – ومنها مثلاً نظام كوتزمالا الذي يزود مكسيكو بالمياه – يجري إغراق قرى بأكملها أو نقلها إلى أماكن أخرى للتمكين من إقامة بنية تحتية للإمداد بالمياه. وهذا سيشاهَد على نطاق هائل إذا أكملت الصين تحويل المياه من الجنوب إلى الشمال(9). وفي نهاية المطاف، تنافس المدن المستخدمين الريفيين والزراعيين على إمدادات المياه المتوافرة(10).
ويمكن للمناطق الحضرية أن تؤثر في موارد المياه وفي الدورة الهيدرولوجية بطريقتين أخريين رئيسيتين هما: أولاً، عن طريق توسيع الطرق، وأماكن إيقاف السيارات، والأسطح الأخرى المنيعة، مما يلوث السيح ويحد من امتصاص مياه الأمطار ومن تجدد الطبقات الأرضية الحاملة للمياه؛ وثانياً، عن طريق الإنشاءات الكهربائية المائية الكبيرة النطاق التي تساعد على تلبية الاحتياجات الحضرية من حيث الطاقة(11).
وتصور هذه الأمثلة تعقيدات التصدي لتأثيرات المدن على النظم الفيزيائية الأحيائية وتبرز الحاجة إلى منظور واسع النطاق ومتكامل.
|