|
النمو الحضري واستخدام الحيز استخداماً قابلاً للاستدامة
إن الحيز الذي تشغله المحليات الحضرية يتزايد بسرعة أكبر من سرعة تزايد عدد سكان الحضر أنفسهم. ففي خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2030، من المتوقع أن يزيد عدد سكان الحضر في العالم بمقدار 72 في المائة، بينما قد تنمو مناطق العمران في المدن التي يضم كل منها 000 100 شخص بنسبة قدرها 175 في المائة(2) .
ومساحة الأرض التي تحتلها المدن ليست مساحة كبيرة بحد ذاتها، باعتبار أنها تحتوي على نصف سكان العالم. وتشير التقديرات الأخيرة، المستندة إلى صور ملتقطة بالسواتل (الأقمار الصناعية)، إلى أن جميع المواقع الحضرية (من بينها المساحات الخضراء وكذلك مساحات العُمران) لا تغطي سوى 2.8 في المائة من مساحة أراضي كوكبنا(3). وهذا معناه أن حوالي 3.2 بلايين شخص يشغلون مساحة أقل قليلاً من اليابان.
إلا أن معظم المواقع الحضرية تشكل قطعاً حرجة من الأراضي. فتزايد معدل توسعها، وأماكن وكيفية إدماج أراض إضافية إلى العُمران الحضري، هي أمور ستكون لها آثار اجتماعية وبيئية كبيرة بالنسبة لسكان المستقبل.
ومن زاوية اجتماعية، كما هو مبين في الفصل 3، تؤدي تلبية احتياجات الرجال الفقراء والنساء الفقيرات من حيث الأراضي والمأوى إلى تعزيز حقوق الإنسان. وهي أيضاً حاسمة الأهمية للحد من وطأة الفقر، ووجود سُبل رزق قابلة للاستدامة، والحد من أوجه انعدام المساواة بين الجنسين. وسيحدث معظم نمو المدن في البلدان النامية، وسيكون كثيرون من المتحضرين الجدد فقراء. وشكل واتجاه نمو المدن في المستقبل، وكذلك طريقة تقسيم الأراضي والانتفاع بها وتنظيمها، هي كلها أمور بالغة الأهمية فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي والحد من الفقر. ويجب على المخططين وواضعي السياسات أن يتخذوا موقفاً استباقياً، يستند إلى رؤية أوسع نطاقاً وأطول أجلاً، لضمان حق أعداد متزايدة بسرعة من الفقراء في العيش في المدن.
وسيؤثر أيضاً توسع أراضي المدن على البيئة. فالحكمة التقليدية تقول إن توسع الحيز الحضري ضار بحد ذاته. وبالنظر إلى أن مدناً كثيرة تقع وسْط مناطق زراعية غنية أو أراضي أخرى غنية بالتنوع الأحيائي، فإن امتداد الحدود الخارجية للحضر من الواضح أنه يزداد توغلاً في أراض منتجة متاحة ويتعدى على نظم إيكولوجية هامة.
ولكن، في الوقت ذاته، يوجد إدراك متزايد لضرورة المستوطنات الحضرية فعلاً لأغراض القابلية للاستدامة. فحجم مساحة الأراضي المخصص للاستخدام الحضري أقل أهمية من الطريقة التي تتوسع بها المدن: فالتوسع الحضري العالمي تقل كثيراً مساحة الأراضي التي يشغلها عن مساحة الأراضي التي تشغلها أنشطة تُنتج موارد لأغراض الاستهلاك من قبيل الأغذية، أو مواد البناء، أو التعدين. وهو يشكل أيضاً خسارة أقل من الخسارة السنوية للأراضي الطبيعية التي تنجم عن الأنشطة الزراعية، أو الحراجة والرعي، أو التحات، أو التَّملُّح(4) .
وعند طرح الأسئلة المُحدِّدة ـ "لو كان سكان العالم أكثر تشتتاً، هل سيحتلون مساحة أكبر أم أقل من الأراضي الثمينة؟ وهل التشتت يُفرج عن أرض زراعية خصبة؟ وهل يساعد التشتت على تجنب غزو أماكن النظم الإيكولوجية الهشة؟" ـ فإن الإجابة، في معظم البلدان، ستكون "كلا!" فالكثافة قد تكون مفيدة. فمع بلوغ عدد سكان العالم 6.7 بلايين نسمة في عام 2007، ومع تزايدهم بما يتجاوز 75 مليوناً كل عام، يتيح التركيز الديمغرافي فرصة أفضل للاستدامة. وفي نهاية المطاف تتطلب حماية النظم الإيكولوجية الريفية أن يتركز السكان في أنشطة قطاعية غير أساسية وفي مناطق مأهولة بالسكان بكثافة(5) .
واستنتاج أن استخدام الأراضي من أجل المدن قد يكون أكثر كفاءة هو استنتاج يُزيد فحسب الحاجة إلى سياسات استشرافية وتوضع بعناية، في ضوء سرعة تضاعف سكان الحضر في البلدان النامية. ويبحث هذا الفصل الأنماط الحالية لتوسع الأراضي الحضرية والآثار التي تترتب على تلك الأنماط. وهو يقترح بذل مزيد من الجهد في توجيه النمو الحضري، مما يتيح للمدن أن تساهم في التنمية والاستدامة الاجتماعيين.
ويدعو هذا الاقتراح إلى رؤية تستند إلى تحليل متين، يشمل مفهوماً لـ "الحيز" أوسع نطاقاً من المفهوم الذي تفرضه الحدود السياسية والإدارية للمدن. وهو يتطلب أيضاً أفقاً زمنية أطول من آجال الساسة أو الإداريين.
الكثافة، والامتداد الحضري، واستخدام
الأراضي(6)
يتبين من دراسة أُعدت مؤخراً بتكليف من البنك الدولي أن الأنماط الحديثة لنمو المدن يتزايد كونها كثيفة الأراضي(7) . فمتوسط الكثافات الحضرية (أي عدد السكان في كل كيلومتر مربع من مناطق العمران) قد أخذ في الانخفاض خلال القرنين الماضيين. ومع استمرار التحسن في سبل الانتقال، فإن المدن تتجه إلى استخدام المزيد والمزيد من الأراضي لكل شخص(8) .
وتحتل الآن مساحة العمران في المدن التي يبلغ عدد سكان كل منها 000 100 شخص أو أكثر ما مجموعه حوالي 000 400 كيلومتر مربع، يوجد نصفها في العالم النامي. ومدن البلدان النامية يوجد فيها عدد أكبر من الناس ولكنها تحتل مساحة أقل لكل ساكن من ساكنيها.
وفي البلدان النامية والبلدان الصناعية على حد سواء، أخذ متوسط كثافة المدن في الانخفاض بسرعة: بمعدل سنوي قدره 1.7 في المائة خلال العقد الأخير في البلدان النامية وقدره 2.2 في المائة في البلدان الصناعية(9) .
وفي البلدان النامية، من المتوقع أن تصبح مساحة العمران في المدن التي يبلغ عدد سكـان كل منهــا 000 100 أو أكثر ثلاثة أمثال ما هي عليه حالياً بحيث تصبح 000 600 كيلومتر مربع في العقود الثلاثة الأولى من هذا القرن. وتتوسع مدن البلدان المتقدمة بمعدل أسرع حتى من ذلك لكل شخص من المقيمين فيها، على الرغم من أن عدد سكانها أقل ومعدل النمو السكاني فيها أقل. فمساحة العمران فيها ستزيد 2.5 مرة خلال الفترة ما بين عام 2000 وعام 2030. وعندئذ، ستحتل حوالي 000 500 كيلومتر مربع(10) .
ومن ثم، إذا استمرت الاتجاهات الأخيرة على مدى السنوات الثلاثين المقبلة، فإن مساحة العمران (أي باستبعاد المساحات الخضراء) في المدن التي يبلغ عدد سكان كل منها 000 100 أو أكثر ستنمو من مساحة تبلغ حجم السويد إلى مساحة أشبه بمساحة إثيوبيا. ولكن هذه التوقعات قد تكون فعلاً أقل من الاحتمالات. فالاتجاهات الأخيرة نحو انخفاض الكثافات قد تتسارع مع تأثير العولمة على أساليب الحياة وعمليات الإنتاج. وأياً كانت الحالة، يتضح من البيانات أن البلدان النامية تشارك الآن البلدان المتقدمة في الاتجاه نحو الامتداد الحضري.
والامتداد الحضري ينجم عن مزيج من أنماط مختلفة من الضغوط على توسع الأراضي. ولأغراض التبسيط، يمكن تصنيف تلك الأنماط في فئتين هما: سكنى الضواحي والتحضر حول أطراف المدن.
سحر الضواحي الخفي
إن الاتجاه الحديث نحو الامتداد الحضري قد بدأ في أمريكا الشمالية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح نمو الضواحي يرمز إلى "أسلوب الحياة الأمريكي"(11). وكانت رغبة الناس في العودة إلى حياة الريف والقرب من الطبيعة جزءًا هاماًَ من هذا البحث عن نوعية حياة أفضل وإن كان ذلك قد فرض في حقيقة الأمر ضغوطاً أكبر على المنافع البيئية "الطبيعية". وعززت النظم التنظيمية اللاحقة والعوامل الاقتصادية النزعة الثقافية نحو الكثافة المنخفضة والعمران الأحادي الاستخدام(12).
وفي أمريكا الشمالية، كان الاستخدام الكثيف للسيارات في التنقل اليومي سبباً ونتيجة في آن واحد للامتداد الحضري(13). فهذا النمط من الاستيطان قد أفرخ أماكن جديدة للتجارة والخدمات وهذا، بدوره، عزز استخدام السيارات ونمو المدن خارج نطاق حدودها.
وكان نموذج الضواحي الأصلي للامتداد الحضري مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأفضليات أسلوب الحياة وتوافر السيارات على نطاق واسع في بيئة ثقافية معينة. وتآلفت مع ذلك سياسات الإسكان وبناء الطرق وتقسيم المناطق، وهي سياسات كان الدافع إليها أيضاً هو الأفكار المثالية المتعلقة بسكنى الضواحي، لتعزز الإسكان المنخفض الكثافة.
واليوم، أصبحت ضواحي مدن أمريكا الشمالية أكثر تنوعاً. فتلبية احتياجات سكان الضواحي حفزت على تحقيق لامركزية الأنشطة الاقتصادية وتنويع المناطق المترامية الأطراف. ومع ذلك، مازال نموذج الضاحية النمطية، بما تتسم به من انتشار وإسكان فردي، هو السائد كنموذج مثالي.
ويبدو أن أساليب الحياة والقيم المرتبطة بأنماط الاستهلاك الأمريكية قد عززت في مناطق أخرى تفضيل العيش بعيداً عن مركز المدينة. وهذه التغيرات في القيم، وزيادة توافر سُبل الانتقال الشخصية، وبخاصة السيارات، تؤدي إلى امتداد المدن إلى خارج محيطها. وبهذه الطريقة يتكرر الحلم الأمريكي في أشد السياقات الاجتماعية والاقتصادية تبايناً(14).
وحتى في أوروبا، حيث كانت المدن تقليدياً مدمجة، توجد دلائل على تزايد الامتداد الحضري والاتجاه إلى الضواحي(15) . ففي خلال الفترة ما بين عام 1969 وعام 1999، مثلاً، زادت المناطق المتحضرة في فرنسا بمقدار خمسة أمثال بينما لم يزد عدد سكان تلك المناطق إلا بنسبة قدرها 50 في المائة(16). وهذا الاتجاه أحدث عهداً حتى في بلدان أوروبا المطلة على البحر المتوسط، ولكن هناك أيضاً يحل محل نموذج المدن الكثيفة والمدمجة نموذج مماثل للضواحي الأمريكية(17). ففي برشلونة، لاحظ المراقبون حدوث زيادة كبيرة في الاستيطان في مناطق تتجاوز المركز الموحد(18).
ويبدو أن سكنى الضواحي أكثر تعقيداً في البلدان النامية. فبالنظر إلى تفشي الفقر وانعدام المساواة في تلك البلدان، فقد بلغتها في وقت متأخر ثقافة امتلاك السيارات بما لها من تأثير بعيد المدى على الحضارة المدنية ومازالت تقتصر على أقلية. وفي الوقت ذاته، حال التزعزع النسبي لسبل النقل العامة والبنية التحتية دون انتقال الناس الأكثر ثراءً إلى الضواحي بأعداد كبيرة وتنقلهم بسهولة منها، وهو نمط مترسخ في عدد لا يحصى من مدن أمريكا الشمالية.
ففي أمريكا اللاتينية، مثلاً، التي اتسمت بالتحضر السريع والضار، نمت المدن فعلاً نمواً صعودياً بدلاً من أن تنمو إلى خارجها أثناء فترة أسرع نمو حضري شهدته. ففي ذروة عملية التحضر في سبعينات القرن العشرين، احتلت الطبقات العليا والمتوسطة الحيز الموجود في المراكز الحضرية وطردت نسبة كبيرة من السكان الفقراء بحيث اتجهوا إلى أطراف المدن أو إلى أماكن أخرى لا يسهل الوصول إليها(19). وبالنظر إلى أن فقراء الحضر يشغلون مساكن صغيرة ويحتلون مساحة ضئيلة من الأراضي، ظلت الكثافة الإجمالية مرتفعة.
وقد لوحظ مؤخراً في معظم البلدان ذات الدخل المنخفض والدخل المتوسط قدر من نمط الاستيطان الأمريكي المتمثل في الاتجاه إلى مناطق المدن المترامية الأطراف(20). ويتزايد وجود ضواح غنية في معظم المدن. وإيجازاً، تؤدي عولمة الأسواق وأنماط الاستهلاك إلى تكرار أنماط الاستيطان الحضري على غرار الحلم الأمريكي.
ولكن سكنى الأثرياء في الضواحي لا تكفي
لتفسير الاتجاه المتزايد إلى الامتداد الحضري، وبخاصة في البلدان
النامية. ويجب أن نبحث عن تفسيرات إضافية.
الامتداد الحضري وتحضر المناطق المحيطة بالمدن(21)
إن نمو المدن في العالم النامي هو عملية دينامية ومتباينة وغير منظمة، وتتزايد كثافة الحيز فيها. وعملية النمو الحضري هذه، التي تحدث إلى حد كبير في مناطق انتقالية غير متقاربة بين الريف والمدينة، تتزايد الإشارة إليها على أنها "التحضر حول أطراف المدن"(22). والمناطق المحيطة بالحضر كثيراً ما تفتقر إلى لوائح واضحة وسلطة إدارية واضحة فيما يتعلق باستخدام الأراضي(23). فهي تعاني بعض أسوأ عواقب النمو الحضري، ومن بينها التلوث، والتغير الاجتماعي السريع، والفقر، وتغير استخدامات الأراضي، وتدهور الموارد الطبيعية(24). ولكن، على العكس من الضواحي، توجد في تلك المناطق طائفة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية.
والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن تتسبب فيه، جزئياً، المضاربات على الأراضي، ويؤججه توقع النمو الحضري السريع. ويحتجز المضاربون الأراضي داخل المدينة وحولها، توقعاً منهم أن ترتفع قيمة تلك الأراضي. وهم لا يأبهون بتأجيرها، خصوصاً إذا كانوا يخشون أن يكتسب مستخدموها حقوقاً ما فيما يتعلق بمواصلة استخدامها أو فيما يتعلق باستئجارها استئجاراً محكوماً. والناس الذين يحتاجون إلى أراض لأغراض السكنى أو الإنتاج يجب عليهم لهذا السبب أن يجدوا أراض بعيدة عن المركز.
والتغيرات في تركيبة النشاط الاقتصادي وموقعه تسهم مساهمة كبيرة في النمو في المناطق المحيطة بالحضر. فتحسُّن الاتصالات وشبكات النقل يؤدي إلى زيادة سهولة الوصول إلى المناطق النائية. وتشجع العولمة وفورات الحجم في الإنتاج والتوزيع، مما يشجع، بدوره، الأسر الكبيرة على أن تحتل مساحات كبيرة من الأرض.
 |
|
|
إن التحضر في المناطق المحيطة بالمدن يحوِّل المستوطنات الريفية إلى مستوطنات حضرية بدون إزاحة معظم سكانها. وهذا التحوُّل الذي يمثل خاصية هامة من خصائص التحضر في الصين منذ ثمانينات القرن العشرين قد أحدث تغييرات بنيوية وعمرانية هائلة في مناطق ريفية شاسعة. وقد طمس أيضاً الخطوط الفاصلة بين المستوطنات الحضرية والمستوطنات الريفية، خصوصاً في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية. وقد استفادت من التحضر في المناطق المحيطة بالمدن أعداد كبيرة من سكان الريف الذين ربما كانوا سيتجهون لولا ذلك إلى المناطق العشوائية الفقيرة في المدن الكبيرة. ومن ناحية أخرى يفتقر ذلك التحضر إلى المزايا الاقتصادية الخاصة بالتجمع في مدن كبيرة وله تأثيرات سلبية خطيرة على البيئة.
ففي دراسة لبلدية كوانزو بمقاطعة فوجيان، استخدم الباحثون بيانات إحصاء سكاني حديث وتكنولوجيا نظم المعلومات الجغرافية لمعالجة الآثار البيئية والتخطيطية المترتبة على التحضر في المناطق المحيطة بالمدن. وقد وجدوا أن ذلك التحضر قد ساعد على تحويل المنطقة إلى قوة اقتصادية هائلة، تتزعمها مؤسسات قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. إلا أن المشاريع المتوسطة الحجم تعاني من نقص التمويل وتشتتها على نطاق واسع. وتوجد أيضاً مشاكل بيئية كثيرة. ومع توافر موارد جديدة لحماية البيئة وإدارتها، سيتمثل التحدي في التشجيع على زيادة تركز تلك المؤسسات، والإقلال إلى أدنى حد من تأثيراته السلبية مع الإبقاء على فوائده.
|
وعدم تركُّز الإنتاج ولامركزيته هذان كثيراً ما يوجدان في ضواحي المدن الأكثر دينامية، حيث لم يعد بإمكان أماكن العمل وقوى العمل المتنامية العثور على حيز في مراكز المدن، مما يجعل النمو خارج حدود المدن أمراً حتمياً. وأطراف المدن تتيح، بدورها، بنية تحتية وأرضاً ويداً عاملة أقل تكلفة، مما يشجع على زيادة التحضر حول أطراف المدن(25).
وفي آسيا، يضم عادة التحضر حول أطراف المدن البلدات الصغيرة على امتداد ممرات حضرية تمتد من المناطق المتروبولية، مثلاً، في المناطق الساحلية من الصين، ومنطقة بانكوك المتروبولية، والطريق السريع من لاهور إلى إسلام أباد، وفي قرى الحرف والصناعات في دلتا النهر الأحمر في فييت نام. وعلى العكس من ذلك، تتوسع المدن في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء حول مركز واحد(26).
والتحضر حول أطراف المدن يجتذب القوى العاملة المهاجرة من الريف ويغير فجأة كثيراً من الأنشطة الاقتصادية لسكان الريف بحيث يتحولون عن الزراعة إلى الصناعة التحويلية والخدمات. وهذه التغيرات كانت واضحة على وجه الخصوص في شرق آسيا، حيث أصبحت القرى الزراعية عناصر التغير الحضري الرئيسية(27).
وفي شرق آسيا، تضافرت عوامل سوء تحديد حقوق الملكية، والسياسات الموجهة نحو التصدير، وقصور أسواق الأراضي، لتسهم في سرعة النمو الحضري حول المدن(28). ففي الصين، تسببت الاستثمارات الأجنبية في حدوث تحوُّل في الاقتصادات والمجتمعات الريفية، وهو تحول كثيراً ما أدى إلى تغييرات رئيسية في التركيبة الاجتماعية والعلاقات بين الإنسان والبيئة (انظر الإطار 18). والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن وتأثيراته لا يقتصران على المناطق الساحلية من قبيل شنغهاي ودلتا نهر اللؤلؤ، بل توغلا إلى مناطق البلد الداخلية، ومن بينها شونغ كينغ وشينغدو(29).
وكثيراً ما توفر المناطق الحضرية المحيطة بالمدن إسكاناً ميسوراً للفقراء المهاجرين من الريف في مستوطنات غير رسمية ومتنافرة(30). والمستوطنات الفقيرة في هذه المناطق تكون عادة أقل أمناً وعرضة للإزالة، بينما يفتقر المقيمون فيها عموماً إلى الخدمات والبنية التحتية. وهم يتنافسون مع الزراعة على الحيز، ويمكن إزاحة كليهما بواسطة استخدامات اقتصادية أخرى. وتحويل الأراضي، وفرص السوق، وسرعة تدفقات اليد العاملة، والسلع، ورأس المال والنفايات هي عوامل تؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار الأراضي(31). ويؤدي أيضاً التحضر في المناطق المحيطة بالمدن إلى زيادة تكلفة المعيشة بالنسبة للسكان الريفيين الأصليين(32).
 |
|
|
تزدهر الزراعة في المناطق الحضرية والمناطق المحيطة بالحضر. فالزراعة في المدن وحولها تمثل استراتيجية حيوية لكسب العيش بالنسبة لفقراء الحضر؛ وهي توفر صحة تغذوية، ودخلاً من أجل مصروفات أخرى للأسر المعيشية، وتخفف من بعض المشاكل الإيكولوجية المتعلقة بالزراعة في المناطق الحضرية. أما الجانب السلبي فهو أنها مازالت غير قانونية في أجزاء من العالم النامي، ويوجد تباطؤ لدى سلطات محلية كثيرة في الاعتراف بدورها الهام. والمرأة، باعتبارها المنتجة الرئيسية للمحاصيل الغذائية في كثير من البلدان النامية، هي التي إما ستستفيد أكبر استفادة أو تُمنى بأكبر خسارة حسب الشكل الذي سيتحدد لمستقبل هذه السوق(1). ويجري بذل بعض الجهود الواعدة من جانب منظمات غير حكومية ـ من قبيل شراكة التنمية البلدية لشرق وجنوب أفريقيا (MDPESA), وشريكها في التمويل وهو مركز الموارد المعني بالزراعة والتحريج الحضريين – لسد الفجوة بين التصور والواقع. وعن طريق أنشطة الدعوة المستندة إلى قرائن مستمدة من خلال حوارات تشمل أصحاب مصلحة متعددين، اعترف المسؤولون في زمبابوي بالزراعة الحضرية وبالزراعة في المناطق المحيطة بالحضر وأيدوا إعلان هراري، وهو التزام من جانب عدة بلدان أفريقية بدعم الممارسات الزراعية الحضرية(2).
|
وتضم المناطق الحضرية المحيطة بالمدن طائفة واسعة من الأنشطة، من بينها الزراعة وتربية الحيوان، والصناعات المنزلية، إلى جانب التوسع الصناعي، والمضاربة على الأراضي، وإقامة ضواح للسكنى، والتخلص من النفايات(33). وهي تؤدي وظائف حيوية أخرى للمناطق الحضرية، بدءًا من الإمداد بالأغذية (انظر الإطار 19)، والطاقة، والمياه، ومواد البناء، والمواد الأساسية الأخرى، وانتهاءً بتقديم الخدمات الإيكولوجية من قبيل ممرات الحياة البرية، والمناخات المحلية، والمناطق العازلة المضادة للفيضانات. وهذا ينطوي على إعادة تكييف معقدة للنظم الاجتماعية والإيكولوجية عندما تُستوعب في الاقتصاد الحضري.
وبالنظر إلى أن المناطق المحيطة بالحضر تتجاوز عموماً الحدود القانونية والإدارية للمدن المركزية أو تقع بين تلك الحدود، فإن قدرة السلطات الحكومية على تنظيم احتلالها هي قدرة ضعيفة إلى حد كبير(34). ونتيجة لذلك فإن عملية التحضر قد تكون، إلى حد كبير، غير مخططة وغير رسمية وغير قانونية، وتتسم بوجود نزاعات متكررة بشأن استخدام الأراضي.
ويشكل أيضاً تدهور البيئة قضية في المناطق المحيطة بالحضر. فثمة أخطار صحية محددة تنشأ عندما تمتزج الأنشطة الزراعية والصناعية مع الاستخدام السكني. فبعض المناطق المحيطة بالحضر تصبح مصارف للتخلص من النفايات الحضرية السائلة والصلبة وأحياناً تلك التي ينقلها الهواء(35). ويتباين نمط هذه المشاكل وتأثيرها وخطورتها تبايناً كبيراً(36). وعدم وجود تنظيم لهذه الأراضي ولاستخدامها يمكن أن يعرِّض للخطر صحة الفقراء الذين يستقرون أو يقيمون هناك، لأنهم قد يتعرضون لمواد خطرة موجودة في الهواء الذي يتنفسونه، وفي الماء الذي يشربونه، وفي الغذاء الذي يزرعونه. وقد تكون المخاطر أكبر فيما يتعلق بالنساء والأطفال ذوي الدخل المنخفض، الذين من الأرجح أن يقضوا معظم وقتهم أو يقضونه كله في منازلهم وفي المحيط المباشر لها(37).
وتستعصي العمليات المختلفة للتحضر في المناطق المحيطة بالمدن الموصوفة هنا على التعريف أو الوصف البسيط، ولكنها تشير إلى ضرورة وجود فرص من أجل استخدام الحيز المحيط بالحضر استخداماً اجتماعياً وقابلاً للاستدامة بدرجة أكبر.
 |
|
|
إن أواغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يقطنها أكثر من مليون شخص، وتتزايد بسرعة أعداد سكانها. وثلثهم يعيشون الآن في "مدن أكواخ" منتشرة على مساحة كبيرة في المناطق المحيطة بالمدينة. ويؤدي هذا الامتداد إلى رفع تكاليف تزويد الفقراء بالماء ومرافق الصرف الصحي كما يؤدي إلى زيادة عزلتهم.
وتدعم الوكالة الفرنسية للتنمية حكومة بوركينا فاسو في إقامة نظم للطرق بتحسين سبل الانتقال (بنية تحتية أولية تمتد مسافة 45 كيلومتراً وتشمل 18 كيلومتراً في مدن الأكواخ ذات الكثافة السكانية العالية في بوغودوغو)، وكذلك في التوصل إلى طرائق مبتكرة لتلبية الاحتياجات المتعلقة بالمياه والصرف الصحي (بما يشمل بيع المياه بكميات كبيرة لوكيل مستقل، في مقابل توزيعها المضمون).
وعلاوة على ذلك، يجري تحسين الحيز العام – أي ممرات المشاة والأرصفة، وإضاءة الشوارع، وفناءات اللعب – وإقامة نقاط مشتركة للإمداد بالمياه. ويشارك السكان المحليون مشاركة نشطة في التأكد من صحة المعدات المقترحة وتمويلها. ويجري أيضاً تعزيز قدرة الحكومة المحلية على رصد وصيانة البنية التحتية الموجودة حالياً فيما يتعلق بالطرق وشبكة المجاري. وتقديم الخدمات الأساسية لسكان المناطق المحيطة بالحضر الفقراء من حيث الموارد يصب مباشرة في تحقيق الغايتين 10 و 11 من الأهداف الإنمائية للألفية. واستجابة بوركينا فاسو التقنية والمؤسسية المبتكرة في هذا الصدد تدعو إلى الغبطة. وسيكون التحدي الرئيسي هو الاستعداد للزيادة السريعة المتواصلة في الطلب على الإسكان والخدمات.
|
الامتداد أم عدم الامتداد
يوجد قدر كبير من الجدل فيما بين الخبراء بشأن مزايا المدن المدمجة مقابل المدن اللامركزية، ولكن لا يوجد توافق في الآراء بينهم. فالخلاف ينشأ بشأن مختلف مصادر الامتداد، والقضايا المنهجية، والتضاربات المتعلقة بالقيم.
وجذور السكنى في ضواحي الحضر ترجع إلى المطامح الثقافية وشجعتها السياسات الرسمية، ولكن كلاً من هذه المطامح وتلك السياسات كانت موضع تشكيك. وفي مقابل ذلك نجد أن النمو الحضري عن طريق التحضر في المناطق المحيطة بالمدن غير مخطط إلى حد كبير وبلا اتجاه. وهذه المساهمات المختلفة في الامتداد الحضري يلزم استعراضها مع إيلاء مراعاة للآثار الأوسع نطاقاً المترتبة عليها.
ودعاة الحفاظ على البيئة ينتقصون عموماً من شأن الانخفاض في الكثافة الحضرية المرتبط بالسكنى في الضواحي. فهم يرون أن المدن المدمجة أكثر قابلية للاستدامة، لأنها تحد إلى أدنى درجة من التنقل، بحيث يقل استخدام الطاقة ويقل تلوث الهواء. وإضافة إلى ذلك يؤدي الامتداد إلى زيادة استهلاك المياه والتهام المساحة الخضراء.
ويُدافع بضعة من المخططين الحضريين عن الامتداد، ولكن بعضهم يشكك فيما إذا كان تكثيف الاستخدام يمكن أن يحقق مستقبلاً حضرياً أكثر قابلية للاستدامة. وهم يشككون أيضاً فيما إذا كان شغل السكان للحيز بكثافة أمراً مقبولاً بالنسبة للجمهور العام(38). إذ يبدو أن ما يريده معظم الناس هو منزل كبير على قطعة أرض كبيرة، مع سهولة الوصول بالسيارة إلى المرافق(39).
ويفترض قدر كبير من المناقشات، سواء كانت تقبل أو ترفض الامتداد الحضري، أن المدينة المترامية الأطراف هي المكان الذي يريد الناس أن يعيشوا فيه، ولكن هذا ربما يجسد ببساطة تحيُّز المتناقشين، ومعظمهم من بلدان متقدمة. فالاستيطان المتفرق في الضواحي يبدو ببساطة غير واقعي بالنسبة لجموع الحضريين في البلدان النامية. ويجسد الجدل أيضاً الاختلافات في القيم والأخلاقيات والجماليات، مما يزيد من احتدام المناقشة بشأن إنصاف الحجم المدمج وقابليته للاستدامة.
والقضايا المفاهيمية والمنهجية تقوِّض عادة المناقشة، لكثرة تنوُّع تعاريف "المكان الحضري". فتبعاً للمعايير التي تُستخدم لتعريف تجمع حضري، من الواضح أن الاستنتاجات بشأن كثافة الامتداد ومعاييره الأخرى ستتباين.
وأياً كانت الصعوبات المفاهيمية، فإن "البُعد الأخضر" ينبغي أن يكون له اعتبار كامل في هذا الجدل. وينطوي مفهوم التنمية القابلة للاستدامة على التضامن مع الأجيال المقبلة. ومن الصعب تحقيق الكثير من الفوائد البيئية على مدى فترة قصيرة. والحفاظ على المناطق الطبيعية، والحد من استهلاك الطاقة، وتشجيع التنوع البيولوجي، وحماية أحواض الأنهار، والعمل على انحسار تغيُّر المناخ، هي كلها أهداف قيِّمة بحد ذاتها، ولكنها أيضاً ضرورية لجودة حياة الأجيال المقبلة.
وكثيراً ما تتجاهل المناقشة ملاحظة أن الامتداد يُعزى بدرجة متزايدة إلى التحضر في المناطق المحيطة بالمدن وإلى تنقُّل النشاط الاقتصادي، وبخاصة في البلدان النامية. وبالنظر إلى احتمال حدوث نمو حضري ضخم وحتمي، فإن التحضر في المناطق المحيطة بالمدن وما ينجم عنه من نمو سريع هو أمر ستكون له آثار اجتماعية وبيئية هامة.
ولم تتعامل مع هذا التحدي بفعالية لا الحكومات ولا المنظمات الإنمائية الدولية. ولكن هذه القضايا لن تحل نفسها بدون تدخل. إذ لا توجد يد غير مرئية لتُنظِّم النمو الحضري وفقاً لاحتياجات المجتمع، أو المسؤوليات فيما بين الأجيال، أو الشواغل التي تنفرد بها المرأة(40).
وفي البلدان النامية، حيث يشكل التحضر في المناطق المحيطة بالحضر دافعاً هاماً للامتداد الحضري، يلزم نوع ما من التخطيط والتنظيم للحد إلى أدنى درجة من جوانب التوسع الحضري السيئة ولزيادة جوانبه الجيدة إلى أقصى حد. والتخطيط الحضري والإقليمي، الذي خفَّضت بلدان كثيرة أولويته لديها استجابة لسياسات تكيُّف هيكلي ولمطالب العولمة المضنية، سيتعين إنعاشه لمواجهة هذا التحدي. فالامتداد، على الأقل بأشكاله الحالية، لا يُفضي إلى التنمية القابلة للاستدامة. وقد لا يكون الاستيطان المدمج هو الحل الوحيد، ولا أفضل حل، وهو لا يكون حتى حلاً ممكناً في بعض الحالات. ومع ذلك فإن الشكل المكاني للتوسع الحضري يلزم التفاوض عليه بمزيد من الكفاءة، وبمزيد من الإنصاف وبمزيد من المراعاة للاعتبارات البيئية.
لقد شدد المنتدى [الثالث للتحضر] تشديداً كبيراً على التخطيط كأداة للتنمية الحضرية والإدارة البيئية، وكوسيلة للحيلولة دون نمو المناطق العشوائية الفقيرة مستقبلاً(41)
سياسات واقعية للتوسع الحضري
ما هو الذي يستلزمه إيجاد قدر من النظام في التوسع الحضري على نطاق كبير؟ قد تكون السياسات موجهة إلى: (أ) الهجرة من الريف إلى الحضر؛ (ب) توزيع السكان الحضريين فيما بين المدن؛ (ج) عملية التنمية الحضرية في كل مدينة على حدة(42) .
إن الحيلولة دون الهجرة من الريف إلى الحضر ليست شديدة الصعوبة فحسب بل تكون نتيجتها عكسية أيضاً (انظر الفصل 3). فقلة من السياسات الموجهة إلى تعديل توزيع السكان فيما بين المدن هي التي حققت قدراً كبيراً من النجاح. والنهج الآخر هو اتخاذ موقع استباقي لتشكيل نمو فرادى المدن مستقبلاً:
"إن القضايا الأساسية التي تواجه صنّاع القرار في القطاع العام ـ على كل من الصعيد المحلي والوطني والدولي ـ ليس ما إذا كان التوسع الحضري سيحدث أو لا يحدث، بل هي بالأحرى ما هو حجم التوسع الحضري المحتمل حدوثه وما الذي ينبغي عمله الآن للاستعداد له استعداداً مناسباً. وهناك رسالة واضحة تماماً: ينبغي أن تضع مدن البلدان النامية خططاً جدية من أجل التوسع الحضري، بما يشمل التخطيط للأماكن التي يكون من الأسهل فيها استيعاب هذا التوسع، وكيفية توفير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب التوسع المتوقع وتقديم الخدمات اللازمة له وكيفية تدبير تكاليف تلك البنية، وكيفية القيام بذلك بأقل تأثير بيئي ممكن"(43).
بالنظر إلى الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للنمو الشديد الحتمي في أعداد سكان الحضر في البلدان النامية، فإن عدم وجود نهج استباقي منسَّق هو أمر مذهل. وانعدام الاهتمام هذا هو نتاج عوامل عديدة، من بينها قِصَر آفاق التخطيط لدى الساسة؛ وعدم رغبة الحكومات في قبول التحضر كاتجاه إيجابي وعدم رغبتها في الاستعداد لحدوث توسع حضري منظِّم؛ وتفضيل المخططين للخطط الكبرى الطموحة والمثالية (التي لا يُحتمل في نهاية المطاف تنفيذها)؛ وعدم ممارسة الضغط من جانب المنظمات الدولية من أجل تنفيذ جدول الأعمال هذا(44).
وبدلاً من اتخاذ استعدادات واقعية للنمو الحضري تمثل حداً أدنى، تأمل سلطات كثيرة فحسب أن مدنها المكتظة بالسكان سيتوقف نموها، أو تأخذ على عاتقها مهمة تنفيذ خطط كبرى يستغرق الانتهاء من تنفيذها سنوات كثيرة وسرعان ما تلقى بعد ذلك تجاهلاً في العادة(45).
والنمو الحتمي لمدن البلدان النامية ونمو المناطق الحضرية المحيطة بها يتطلب نهجاً منسقاً واستباقياً (انظر الإطار 21). وفي الإطار العام، يجب أن تكون هناك مجموعة جديدة من النظم التنظيمية الواقعية والمنصفة والتي يمكن تطبيقها. وفي هذه العملية ينبغي مراعاة عدم المساس بالأراضي الحساسة وبمستجمعات المياه. وينبغي أن يكون اتخاذ ترتيبات فيما يتعلق بالأراضي والبنية التحتية والخدمات من أجل الفقراء شاغلاً أساسياً. وينبغي إشراك السكان المحليين في أي مناقشة بشأن النمو المستقبلي وذلك لضمان حقوق الناس مع زيادة معدل نجاح الجهود التخطيطية. وتكتسب المناقشات الواردة في الفصل 3 بشأن احتياجات الفقراء من حيث الأراضي أهمية خاصة في هذا السياق.
 |
|
|
تكشف إدارة بلومبيرغ في مدينة نيويورك الستار عن خطط للتعامل مع احتياجات مدينة نيويورك الآخذة في النمو على المديين المتوسط والطويل. ومن بين مشاريع أخرى كثيرة، تضع الإدارة "خطة استراتيجية لاستخدام الأراضي" للتعامل مع سكان مدينة يبلغ عددهم 9 ملايين نسمة. ومن بين الأولويات استصلاح 700 1 فدان من الأراضي الملوثة وتحويلها إلى أماكن سليمة بيئياً مخصصة للمدارس والشقق السكنية والمتنزهات. وتنطوي الخطط أيضاً على تحسين سُبل الانتقال، وإمدادات المياه، والصرف الصحي، ومعالجة تلوث الهواء.
وقد استخدمت المدينة محاولتها الفاشلة أن تستضيف دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 كمنطلق لنمط التخطيط الأطول أجلاً الذي نادراً ما يكون لدى الحكومات المحلية ما يلزم له من موارد أو رؤية. وقد أدى عدم تمكين مدينة نيويورك من أن تضم إليها مدناً مجاورة لها إلى تشجيعها على إدخال تغييرات في تقسيم المناطق وإعادة تدوير الأراضي من أجل العمل على زيادة الكثافة. وهذه المبادرة يترأسها مكتب التخطيط الطويل الأجل والقابلية للاستدامة الذي أنشأته الإدارة مؤخراً ويتكون من أعضاء من 15 جهازاً من أجهزة المدينة، إلى جانب علماء أكاديميين ونشطاء في الأحياء وقادة عماليين.
وهذه الخطط الطويلة الأجل ستولي حتماً اعتباراً صريحاً للتأثيرات المحتملة للاحترار العالمي على المدينة، حيث يعيش 8 ملايين شخص ـ وعدة ملايين آخرين في ضواحيها ـ على مستوى البحر أو على مقربة منه.
|
وإيجاد حل لقضايا الأراضي في النمو الحضري المستقبلي هو جانب واحد فقط من المسألة، وإن كان جانباً هاماً. ولكن يلزم أيضاً نهج سياسي ومكاني أوسع نطاقاً، في إطار زمني أطول، للتعامل مع القضايا الأخرى المتعلقة بالاستدامة والتنظيم. فالامتداد والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن يؤديان عادة إلى تجزؤ الحيز الحضري بطرائق لا يمكن التنبؤ بها، مما يُسفر عن وجود نويات ذات أحجام وكثافات مختلفة، مع وجود طائفة متنوعة من المشاكل المشتركة أو الفريدة. ولا يكمن الحل في تحديد الكثافة النسبية للمناطق الحضرية بقدر ما يكمن في وجود حكم محلي جيد يمكن أن يوجه التنمية الحضرية ويُسفر عن كثافات مناسبة.
وفي الوضع الراهن يجلب تجزؤ الأراضي الحضرية عدم كفاءة إدارية كما يجلب نكسات بيئية. فحدود إدارة المدينة نادراً ما تتزامن مع مجال نفوذها الفعلي. وفي حالة المدن الكبيرة، يمتد هذا المجال عادة إلى المناطق الفرعية المجاورة، التي قد تشمل مدناً أصغر، فضلاً عن امتداده إلى مناطق محيطة بالحضر ومناطق ريفية.
وبدون وجود كيان إقليمي ما، تصعب بشدة إدارة الخدمات الأساسية، من قبيل المياه والنقل، التي تشمل حدوداً مختلفة. وعلى نفس المنوال، يؤدي التجزؤ إلى انقطاع التواصل الذي تتطلبه العمليات الطبيعية. ويؤدي التجزؤ أيضاً إلى صعوبة حماية المناطق الهشة إيكولوجياً أو وضع أنظمة لحماية سلامة البيئة(46). والتعامل بفعالية مع الحقائق الاجتماعية والبيئية في مناطق المدن يتطلب وجود معلومات وتحليلات يجري تحديثها باستمرار، وهو ما لا يوجد لدى معظم المناطق الحضرية (انظر الإطار 22).
 |
|
|
إن مجال السكان مجال أساسي لفهم احتياجات مناطق المدن وتوفير حلول لها. وحتى في حالة عدم وجود كيان إداري مناسب يغطي منطقة بأكملها، باستطاعة واضعي السياسات أن يستخدموا الصور التي تلتقطها السواتل (الأقمار الصناعية) ونُظم المعلومات الجغرافية، إلى جانب البيانات الديمغرافية، لتوفير معلومات دقيقة عن حجم السكان وكثافتهم، وكذلك مناطق التوسع الحضري، ونمو العشوائيات الفقيرة، والاحتياجات من حيث الحماية البيئية.
وفي إكوادور وهندوراس قدّم صندوق الأمم المتحدة للسكان الدعم لتوفير تدريب فني لاحق للإحصاء السكاني لكي تتمكن الأجهزة المحلية من أن تتعلم أفضل سبل لتحليل بيانات الإحصاء على المستوى التفصيلي لأغراض التخطيط. وهذا يشمل استخدام بيانات إحصاء البقاع إلى جانب إسقاطات سكانية بسيطة لتقدير الحاجة في المستقبل إلى أنواع شتى من الخدمات. ومن الأرجح أن تحتاج البلديات ذات الحجم الصغير وذات الحجم المتوسط وأن تحتاج مناطق النمو اللامركزية إلى دعم فني كي تستخدم هذه الأدوات.
ومن الممكن استخدام هذه البيانات بالاقتران مع المعلومات المتعلقة بالارتفاع والمنحدرات وأنواع التربة وغطاء الأرض والنظم الإيكولوجية الحرجة والمخاطر المتعلقة بالأخطار الطبيعية لتحديد المناطق التي ينبغي تشجيع الاستيطان فيها مستقبلاً أو تجنبه. وينبغي معالجة البيانات وإتاحتها بأقصى قدر ممكن من التفصيل المكاني، لكي يتسنى استخدامها على نطاقات مختلفة بدءًا من النطاق الإقليمي وانتهاءً بالنطاق المحلي، وذلك لكي تكون تلك البيانات الإحصائية مفيدة في إطار نظام للمعلومات الجغرافية.
|
وللمدن تأثير ضخم على المناطق المحيطة بها ولكنها لا تتحمل أو لا تستطيع أن تتحمل، في معظم الحالات، المسؤولية عن إدارتها(47). وتقتضي القضايا المشتركة فيما بين النويات المتفرقة لنظام حضري مجزأ رؤية أوسع نطاقاً. فالتدهور البيئي والفقر يشكلان جزءًا من التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية الأوسع نطاقاً المرتبطة بالتحضر حول المدن. وتتعين معالجتها ببذل جهود منسقة واستباقية.
ولذا فإن السؤال الأساسي هو من الذي سيأخذ بزمام المبادرة في عالم متحضر يتسم بعمليات النمو هذه؟ وما هو مقترح هنا هو التعامل مع تنظيم العمليات المكانية التي تؤثر في السلامة الاجتماعية والبيئية من منظور إقليمي، لا من منظور حضري بحت(48). ومفهوم "المدينة ـ ومناطقها" مفيد في هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الجديد. فهو يوفر نقطة انطلاق يسهل فهمها في مجال الدعوة إلى اتباع نهج أكثر تنسيقاً وفعالية في التعامل مع مشاكل النمو الخاصة بامتداد المناطق الحضرية والمناطق المحيطة بالحضر(49)، ولصالح فقراء الحضر باعتبارهم عناصر أساسية ودينامية في التنمية الحضرية.
ومن المهم عدم اعتبار المدينة ومناطقها كياناً محلياً فائقاً آخر، مما من شأنه أن يزيد من صعوبة عيش الفقراء فيها، بل ينبغي اعتبارها شكلاً من أشكال التعاون والتفاوض بين أجهزة الحكم المحلي المتجاورة ذات الاحتياجات والأولويات المختلفة. ومن الواضح أن هذا أمر ضروري لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، وإدارة الموارد الطبيعية والنفايات، والتعامل مع جميع التعقيدات الأخرى التي تنجم عن التوسع الحضري غير المنظم والسريع.
|