|
الامتداد الحضري وتحضر المناطق المحيطة بالمدن(21)
إن نمو المدن في العالم النامي هو عملية دينامية ومتباينة وغير منظمة، وتتزايد كثافة الحيز فيها. وعملية النمو الحضري هذه، التي تحدث إلى حد كبير في مناطق انتقالية غير متقاربة بين الريف والمدينة، تتزايد الإشارة إليها على أنها "التحضر حول أطراف المدن"(22). والمناطق المحيطة بالحضر كثيراً ما تفتقر إلى لوائح واضحة وسلطة إدارية واضحة فيما يتعلق باستخدام الأراضي(23). فهي تعاني بعض أسوأ عواقب النمو الحضري، ومن بينها التلوث، والتغير الاجتماعي السريع، والفقر، وتغير استخدامات الأراضي، وتدهور الموارد الطبيعية(24). ولكن، على العكس من الضواحي، توجد في تلك المناطق طائفة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية.
والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن تتسبب فيه، جزئياً، المضاربات على الأراضي، ويؤججه توقع النمو الحضري السريع. ويحتجز المضاربون الأراضي داخل المدينة وحولها، توقعاً منهم أن ترتفع قيمة تلك الأراضي. وهم لا يأبهون بتأجيرها، خصوصاً إذا كانوا يخشون أن يكتسب مستخدموها حقوقاً ما فيما يتعلق بمواصلة استخدامها أو فيما يتعلق باستئجارها استئجاراً محكوماً. والناس الذين يحتاجون إلى أراض لأغراض السكنى أو الإنتاج يجب عليهم لهذا السبب أن يجدوا أراض بعيدة عن المركز.
والتغيرات في تركيبة النشاط الاقتصادي وموقعه تسهم مساهمة كبيرة في النمو في المناطق المحيطة بالحضر. فتحسُّن الاتصالات وشبكات النقل يؤدي إلى زيادة سهولة الوصول إلى المناطق النائية. وتشجع العولمة وفورات الحجم في الإنتاج والتوزيع، مما يشجع، بدوره، الأسر الكبيرة على أن تحتل مساحات كبيرة من الأرض.
 |
|
|
إن التحضر في المناطق المحيطة بالمدن يحوِّل المستوطنات الريفية إلى مستوطنات حضرية بدون إزاحة معظم سكانها. وهذا التحوُّل الذي يمثل خاصية هامة من خصائص التحضر في الصين منذ ثمانينات القرن العشرين قد أحدث تغييرات بنيوية وعمرانية هائلة في مناطق ريفية شاسعة. وقد طمس أيضاً الخطوط الفاصلة بين المستوطنات الحضرية والمستوطنات الريفية، خصوصاً في المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية. وقد استفادت من التحضر في المناطق المحيطة بالمدن أعداد كبيرة من سكان الريف الذين ربما كانوا سيتجهون لولا ذلك إلى المناطق العشوائية الفقيرة في المدن الكبيرة. ومن ناحية أخرى يفتقر ذلك التحضر إلى المزايا الاقتصادية الخاصة بالتجمع في مدن كبيرة وله تأثيرات سلبية خطيرة على البيئة.
ففي دراسة لبلدية كوانزو بمقاطعة فوجيان، استخدم الباحثون بيانات إحصاء سكاني حديث وتكنولوجيا نظم المعلومات الجغرافية لمعالجة الآثار البيئية والتخطيطية المترتبة على التحضر في المناطق المحيطة بالمدن. وقد وجدوا أن ذلك التحضر قد ساعد على تحويل المنطقة إلى قوة اقتصادية هائلة، تتزعمها مؤسسات قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. إلا أن المشاريع المتوسطة الحجم تعاني من نقص التمويل وتشتتها على نطاق واسع. وتوجد أيضاً مشاكل بيئية كثيرة. ومع توافر موارد جديدة لحماية البيئة وإدارتها، سيتمثل التحدي في التشجيع على زيادة تركز تلك المؤسسات، والإقلال إلى أدنى حد من تأثيراته السلبية مع الإبقاء على فوائده.
|
وعدم تركُّز الإنتاج ولامركزيته هذان كثيراً ما يوجدان في ضواحي المدن الأكثر دينامية، حيث لم يعد بإمكان أماكن العمل وقوى العمل المتنامية العثور على حيز في مراكز المدن، مما يجعل النمو خارج حدود المدن أمراً حتمياً. وأطراف المدن تتيح، بدورها، بنية تحتية وأرضاً ويداً عاملة أقل تكلفة، مما يشجع على زيادة التحضر حول أطراف المدن(25).
وفي آسيا، يضم عادة التحضر حول أطراف المدن البلدات الصغيرة على امتداد ممرات حضرية تمتد من المناطق المتروبولية، مثلاً، في المناطق الساحلية من الصين، ومنطقة بانكوك المتروبولية، والطريق السريع من لاهور إلى إسلام أباد، وفي قرى الحرف والصناعات في دلتا النهر الأحمر في فييت نام. وعلى العكس من ذلك، تتوسع المدن في معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء حول مركز واحد(26).
والتحضر حول أطراف المدن يجتذب القوى العاملة المهاجرة من الريف ويغير فجأة كثيراً من الأنشطة الاقتصادية لسكان الريف بحيث يتحولون عن الزراعة إلى الصناعة التحويلية والخدمات. وهذه التغيرات كانت واضحة على وجه الخصوص في شرق آسيا، حيث أصبحت القرى الزراعية عناصر التغير الحضري الرئيسية(27).
وفي شرق آسيا، تضافرت عوامل سوء تحديد حقوق الملكية، والسياسات الموجهة نحو التصدير، وقصور أسواق الأراضي، لتسهم في سرعة النمو الحضري حول المدن(28). ففي الصين، تسببت الاستثمارات الأجنبية في حدوث تحوُّل في الاقتصادات والمجتمعات الريفية، وهو تحول كثيراً ما أدى إلى تغييرات رئيسية في التركيبة الاجتماعية والعلاقات بين الإنسان والبيئة (انظر الإطار 18). والتحضر في المناطق المحيطة بالمدن وتأثيراته لا يقتصران على المناطق الساحلية من قبيل شنغهاي ودلتا نهر اللؤلؤ، بل توغلا إلى مناطق البلد الداخلية، ومن بينها شونغ كينغ وشينغدو(29).
وكثيراً ما توفر المناطق الحضرية المحيطة بالمدن إسكاناً ميسوراً للفقراء المهاجرين من الريف في مستوطنات غير رسمية ومتنافرة(30). والمستوطنات الفقيرة في هذه المناطق تكون عادة أقل أمناً وعرضة للإزالة، بينما يفتقر المقيمون فيها عموماً إلى الخدمات والبنية التحتية. وهم يتنافسون مع الزراعة على الحيز، ويمكن إزاحة كليهما بواسطة استخدامات اقتصادية أخرى. وتحويل الأراضي، وفرص السوق، وسرعة تدفقات اليد العاملة، والسلع، ورأس المال والنفايات هي عوامل تؤدي حتماً إلى ارتفاع أسعار الأراضي(31). ويؤدي أيضاً التحضر في المناطق المحيطة بالمدن إلى زيادة تكلفة المعيشة بالنسبة للسكان الريفيين الأصليين(32).
 |
|
|
تزدهر الزراعة في المناطق الحضرية والمناطق المحيطة بالحضر. فالزراعة في المدن وحولها تمثل استراتيجية حيوية لكسب العيش بالنسبة لفقراء الحضر؛ وهي توفر صحة تغذوية، ودخلاً من أجل مصروفات أخرى للأسر المعيشية، وتخفف من بعض المشاكل الإيكولوجية المتعلقة بالزراعة في المناطق الحضرية. أما الجانب السلبي فهو أنها مازالت غير قانونية في أجزاء من العالم النامي، ويوجد تباطؤ لدى سلطات محلية كثيرة في الاعتراف بدورها الهام. والمرأة، باعتبارها المنتجة الرئيسية للمحاصيل الغذائية في كثير من البلدان النامية، هي التي إما ستستفيد أكبر استفادة أو تُمنى بأكبر خسارة حسب الشكل الذي سيتحدد لمستقبل هذه السوق(1). ويجري بذل بعض الجهود الواعدة من جانب منظمات غير حكومية ـ من قبيل شراكة التنمية البلدية لشرق وجنوب أفريقيا (MDPESA), وشريكها في التمويل وهو مركز الموارد المعني بالزراعة والتحريج الحضريين – لسد الفجوة بين التصور والواقع. وعن طريق أنشطة الدعوة المستندة إلى قرائن مستمدة من خلال حوارات تشمل أصحاب مصلحة متعددين، اعترف المسؤولون في زمبابوي بالزراعة الحضرية وبالزراعة في المناطق المحيطة بالحضر وأيدوا إعلان هراري، وهو التزام من جانب عدة بلدان أفريقية بدعم الممارسات الزراعية الحضرية(2).
|
وتضم المناطق الحضرية المحيطة بالمدن طائفة واسعة من الأنشطة، من بينها الزراعة وتربية الحيوان، والصناعات المنزلية، إلى جانب التوسع الصناعي، والمضاربة على الأراضي، وإقامة ضواح للسكنى، والتخلص من النفايات(33). وهي تؤدي وظائف حيوية أخرى للمناطق الحضرية، بدءًا من الإمداد بالأغذية (انظر الإطار 19)، والطاقة، والمياه، ومواد البناء، والمواد الأساسية الأخرى، وانتهاءً بتقديم الخدمات الإيكولوجية من قبيل ممرات الحياة البرية، والمناخات المحلية، والمناطق العازلة المضادة للفيضانات. وهذا ينطوي على إعادة تكييف معقدة للنظم الاجتماعية والإيكولوجية عندما تُستوعب في الاقتصاد الحضري.
وبالنظر إلى أن المناطق المحيطة بالحضر تتجاوز عموماً الحدود القانونية والإدارية للمدن المركزية أو تقع بين تلك الحدود، فإن قدرة السلطات الحكومية على تنظيم احتلالها هي قدرة ضعيفة إلى حد كبير(34). ونتيجة لذلك فإن عملية التحضر قد تكون، إلى حد كبير، غير مخططة وغير رسمية وغير قانونية، وتتسم بوجود نزاعات متكررة بشأن استخدام الأراضي.
ويشكل أيضاً تدهور البيئة قضية في المناطق المحيطة بالحضر. فثمة أخطار صحية محددة تنشأ عندما تمتزج الأنشطة الزراعية والصناعية مع الاستخدام السكني. فبعض المناطق المحيطة بالحضر تصبح مصارف للتخلص من النفايات الحضرية السائلة والصلبة وأحياناً تلك التي ينقلها الهواء(35). ويتباين نمط هذه المشاكل وتأثيرها وخطورتها تبايناً كبيراً(36). وعدم وجود تنظيم لهذه الأراضي ولاستخدامها يمكن أن يعرِّض للخطر صحة الفقراء الذين يستقرون أو يقيمون هناك، لأنهم قد يتعرضون لمواد خطرة موجودة في الهواء الذي يتنفسونه، وفي الماء الذي يشربونه، وفي الغذاء الذي يزرعونه. وقد تكون المخاطر أكبر فيما يتعلق بالنساء والأطفال ذوي الدخل المنخفض، الذين من الأرجح أن يقضوا معظم وقتهم أو يقضونه كله في منازلهم وفي المحيط المباشر لها(37).
وتستعصي العمليات المختلفة للتحضر في المناطق المحيطة بالمدن الموصوفة هنا على التعريف أو الوصف البسيط، ولكنها تشير إلى ضرورة وجود فرص من أجل استخدام الحيز المحيط بالحضر استخداماً اجتماعياً وقابلاً للاستدامة بدرجة أكبر.
 |
|
|
إن أواغادوغو عاصمة بوركينا فاسو يقطنها أكثر من مليون شخص، وتتزايد بسرعة أعداد سكانها. وثلثهم يعيشون الآن في "مدن أكواخ" منتشرة على مساحة كبيرة في المناطق المحيطة بالمدينة. ويؤدي هذا الامتداد إلى رفع تكاليف تزويد الفقراء بالماء ومرافق الصرف الصحي كما يؤدي إلى زيادة عزلتهم.
وتدعم الوكالة الفرنسية للتنمية حكومة بوركينا فاسو في إقامة نظم للطرق بتحسين سبل الانتقال (بنية تحتية أولية تمتد مسافة 45 كيلومتراً وتشمل 18 كيلومتراً في مدن الأكواخ ذات الكثافة السكانية العالية في بوغودوغو)، وكذلك في التوصل إلى طرائق مبتكرة لتلبية الاحتياجات المتعلقة بالمياه والصرف الصحي (بما يشمل بيع المياه بكميات كبيرة لوكيل مستقل، في مقابل توزيعها المضمون).
وعلاوة على ذلك، يجري تحسين الحيز العام – أي ممرات المشاة والأرصفة، وإضاءة الشوارع، وفناءات اللعب – وإقامة نقاط مشتركة للإمداد بالمياه. ويشارك السكان المحليون مشاركة نشطة في التأكد من صحة المعدات المقترحة وتمويلها. ويجري أيضاً تعزيز قدرة الحكومة المحلية على رصد وصيانة البنية التحتية الموجودة حالياً فيما يتعلق بالطرق وشبكة المجاري. وتقديم الخدمات الأساسية لسكان المناطق المحيطة بالحضر الفقراء من حيث الموارد يصب مباشرة في تحقيق الغايتين 10 و 11 من الأهداف الإنمائية للألفية. واستجابة بوركينا فاسو التقنية والمؤسسية المبتكرة في هذا الصدد تدعو إلى الغبطة. وسيكون التحدي الرئيسي هو الاستعداد للزيادة السريعة المتواصلة في الطلب على الإسكان والخدمات.
|
|