|
النمو الحضري واستخدام الحيز استخداماً قابلاً للاستدامة
إن الحيز الذي تشغله المحليات الحضرية يتزايد بسرعة أكبر من سرعة تزايد عدد سكان الحضر أنفسهم. ففي خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2030، من المتوقع أن يزيد عدد سكان الحضر في العالم بمقدار 72 في المائة، بينما قد تنمو مناطق العمران في المدن التي يضم كل منها 000 100 شخص بنسبة قدرها 175 في المائة(2).
ومساحة الأرض التي تحتلها المدن ليست مساحة كبيرة بحد ذاتها، باعتبار أنها تحتوي على نصف سكان العالم. وتشير التقديرات الأخيرة، المستندة إلى صور ملتقطة بالسواتل (الأقمار الصناعية)، إلى أن جميع المواقع الحضرية (من بينها المساحات الخضراء وكذلك مساحات العُمران) لا تغطي سوى 2.8 في المائة من مساحة أراضي كوكبنا(3). وهذا معناه أن حوالي 3.2 بلايين شخص يشغلون مساحة أقل قليلاً من اليابان.
إلا أن معظم المواقع الحضرية تشكل قطعاً حرجة من الأراضي. فتزايد معدل توسعها، وأماكن وكيفية إدماج أراض إضافية إلى العُمران الحضري، هي أمور ستكون لها آثار اجتماعية وبيئية كبيرة بالنسبة لسكان المستقبل.
ومن زاوية اجتماعية، كما هو مبين في الفصل 3، تؤدي تلبية احتياجات الرجال الفقراء والنساء الفقيرات من حيث الأراضي والمأوى إلى تعزيز حقوق الإنسان. وهي أيضاً حاسمة الأهمية للحد من وطأة الفقر، ووجود سُبل رزق قابلة للاستدامة، والحد من أوجه انعدام المساواة بين الجنسين. وسيحدث معظم نمو المدن في البلدان النامية، وسيكون كثيرون من المتحضرين الجدد فقراء. وشكل واتجاه نمو المدن في المستقبل، وكذلك طريقة تقسيم الأراضي والانتفاع بها وتنظيمها، هي كلها أمور بالغة الأهمية فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي والحد من الفقر. ويجب على المخططين وواضعي السياسات أن يتخذوا موقفاً استباقياً، يستند إلى رؤية أوسع نطاقاً وأطول أجلاً، لضمان حق أعداد متزايدة بسرعة من الفقراء في العيش في المدن.
وسيؤثر أيضاً توسع أراضي المدن على البيئة. فالحكمة التقليدية تقول إن توسع الحيز الحضري ضار بحد ذاته. وبالنظر إلى أن مدناً كثيرة تقع وسْط مناطق زراعية غنية أو أراضي أخرى غنية بالتنوع الأحيائي، فإن امتداد الحدود الخارجية للحضر من الواضح أنه يزداد توغلاً في أراض منتجة متاحة ويتعدى على نظم إيكولوجية هامة.
ولكن، في الوقت ذاته، يوجد إدراك متزايد لضرورة المستوطنات الحضرية فعلاً لأغراض القابلية للاستدامة. فحجم مساحة الأراضي المخصص للاستخدام الحضري أقل أهمية من الطريقة التي تتوسع بها المدن: فالتوسع الحضري العالمي تقل كثيراً مساحة الأراضي التي يشغلها عن مساحة الأراضي التي تشغلها أنشطة تُنتج موارد لأغراض الاستهلاك من قبيل الأغذية، أو مواد البناء، أو التعدين. وهو يشكل أيضاً خسارة أقل من الخسارة السنوية للأراضي الطبيعية التي تنجم عن الأنشطة الزراعية، أو الحراجة والرعي، أو التحات، أو التَّملُّح(4).
وعند طرح الأسئلة المُحدِّدة ـ "لو كان سكان العالم أكثر تشتتاً، هل سيحتلون مساحة أكبر أم أقل من الأراضي الثمينة؟ وهل التشتت يُفرج عن أرض زراعية خصبة؟ وهل يساعد التشتت على تجنب غزو أماكن النظم الإيكولوجية الهشة؟" ـ فإن الإجابة، في معظم البلدان، ستكون "كلا!" فالكثافة قد تكون مفيدة. فمع بلوغ عدد سكان العالم 6.7 بلايين نسمة في عام 2007، ومع تزايدهم بما يتجاوز 75 مليوناً كل عام، يتيح التركيز الديمغرافي فرصة أفضل للاستدامة. وفي نهاية المطاف تتطلب حماية النظم الإيكولوجية الريفية أن يتركز السكان في أنشطة قطاعية غير أساسية وفي مناطق مأهولة بالسكان بكثافة(5).
واستنتاج أن استخدام الأراضي من أجل المدن قد يكون أكثر كفاءة هو استنتاج يُزيد فحسب الحاجة إلى سياسات استشرافية وتوضع بعناية، في ضوء سرعة تضاعف سكان الحضر في البلدان النامية. ويبحث هذا الفصل الأنماط الحالية لتوسع الأراضي الحضرية والآثار التي تترتب على تلك الأنماط. وهو يقترح بذل مزيد من الجهد في توجيه النمو الحضري، مما يتيح للمدن أن تساهم في التنمية والاستدامة الاجتماعيين.
ويدعو هذا الاقتراح إلى رؤية تستند إلى تحليل متين، يشمل مفهوماً لـ "الحيز" أوسع نطاقاً من المفهوم الذي تفرضه الحدود السياسية والإدارية للمدن. وهو يتطلب أيضاً أفقاً زمنية أطول من آجال الساسة أو الإداريين.
|