"ينبغي للحكومات أن تعزز قدراتها على الاستجابة للضغوط الناجمة عن سرعة التحضر ... وينبغي إيلاء اهتمام خاص لإدارة الأراضي من أجل تأمين الاستخدام الاقتصادي للأراضي، وحماية النظم الإيكولوجية الهشة، وتيسير إمكانية حصول الفقراء على الأراضي في كل من المناطق الحضرية والمناطق الريفية .(18)
وثبة هائلة: تحقيق سيناريو جديد فيما يتعلق بالمأوى
كيف يتسنى للمؤسسات الوطنية والدولية أن تساعد على خلق مستقبل حضري يمكن أن يُعاش من أجل جموع فقراء الحضر، مثلما أوصى المؤتمر الدولي للسكان والتنمية؟ من الضروري هنا التمييز بين النُهُج التي ترمي إلى تلبية احتياجات فقراء الحضر الذين يعيشون حالياً في المدن والنُهُج التي ترمي إلى التخفيف من الضغوط الناجمة عن النمو المستقبلي الكبير.
والمناقشات الجارية تركز أساساً على الوضع الحالي للأحياء العشوائية الفقيرة الموجودة، وعلى تنظيمها الداخلي وعلى كفاح سكانها من أجل مقاومة الطرد وتحسين الخدمات الحضرية. ويتزايد الاعتراف بدور المنظمات المحلية في تحسين الأوضاع المعيشية الحضرية بالنسبة للفقراء. ولقد كانت منظمات فقراء الحضر مسؤولة أيضاً عن التمكين المحلي، وعن إحداث تغييرات في عمليات صنع القرار التي سيكون لها تأثير دائم على التخطيط والإدارة الحضريين(19).
إلا أن الاحتياجات الحالية إلى المأوى لا تعدو، في مواجهة النمو المقبل، أن تكون الجزء الظاهر من المشكلة في بلدان كثيرة. فمن المتوقع أن تضيف أفريقيا وآسيا بمفردهما 1.7 بليون ساكن حضري جديد خلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2030. وكثيرون من هؤلاء السكان الحضريين الجدد، سواء كانوا مهاجرين أو من أهالي المناطق الحضرية، فقراء (انظر الإطار 15).
 |
|
|
تتفاوت نسبة سكان الحضر الذين تتزايد أعدادهم في البلدان النامية ويكونون فقراء أو فقراء جداً تفاوتاً كبيراً وليس من السهل قياسها. ومع ذلك حتى عمليات المحاكاة التقريبية تشير إلى أن هذه النسبة مرتفعة.
والمكونات الثلاثة للنمو الحضري هي الهجرة الداخلية، والزيادة الطبيعية في عدد السكان، وإعادة تصنيف المناطق الريفية على أنها مناطق حضرية. والزيادة الطبيعية في عدد السكان أعلى بوجه عام فيما بين الفقراء، سواء كانوا مهاجرين داخلياً أو من أهالي المناطق الحضرية. ومستويات فقر المهاجرين داخلياً تكون عموماً مستويات وسيطة بين مستويات فقر المناطق الحضرية والمناطق الريفية. ومن الممكن أيضاً افتراض أن الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية التي يعاد تصنيفها على أنها مناطق حضرية تكون مستويات الفقر بينهم مستويات وسيطة ما بين المستويات الريفية والمستويات الحضرية.
وفي حالة البرازيل، قدِّر أن 69 في المائة من المهاجرين إلى المناطق الحضرية ومن سكان الريف الذين أعيد تصنيفهم على أنهم حضريون (خلال الفترة ما بين عام 1999 وعام 2004) يمكن تصنيفهم على أنهم "فقراء". وفي الفترة ذاتها، يمكن عزو 48 في المائة من الزيادة الطبيعية في عدد سكان الحضر إلى الفقراء(1)
. وفي هذه الحالة، يمكن بأمان افتراض أن الفقراء من شأنهم أن يشكلوا، في تقدير متحفظ للغاية، أكثر من نصف جميع سكان الحضر الجدد. ومن المنطقي أن الفقراء من شأنهم أن يشكلوا في البلدان التي توجد فيها مستويات أعلى من الفقر نسباً أعلى حتى من ذلك بين سكان الحضر الجدد لديها.
|
ويستدعي التخطيط للتوسع السريع في الاحتياجات من حيث المأوى في البلدات والمدن مستقبلاً، مع القيام في الوقت ذاته بتلبية الطلبات السابقة المتراكمة، تغيراً حاسم الأهمية في النهج الذي تتبعه الحكومات البلدية والوطنية. فسيتعين عليها أن تحشد مواردها التقنية والسياسية من أجل تلبية احتياجات فقراء الحضر المتعلقة بالحصول على أراض ومساكن وخدمات، لا أن تحشد تلك الموارد ضد تلك الاحتياجات. وسيكون من اللازم لها أيضاً أن تستشير منظمات فقراء الحضر وتستفيد من خبرتهم ومعارفهم المحلية، فهذه المنظمات تشكل كثرة منها جانباً من النُهُج الناجحة حالياً.
ويتطلب التعامل مع سرعة تضاعف سكان الحضر في البلدان النامية رؤية ونُهُجاً أكثر فعالية. فالفقراء يحتاجون، لكي تتاح لهم فرصة لتحسين حياتهم، إلى إمكانية الحصول على أراض ميسورة التكلفة ومزودة بالخدمات لكي يبنوا عليها منازلهم ويحصلوا على خدمات أخرى. ومع توافر ذلك باعتباره حجر الزاوية، يمكنهم أن يبدأوا في بناء بقية حياتهم. ومن ثم، تتمثل مبادرة حاسمة الأهمية على المديين المتوسط والطويل في توفير إمكانية الحصول على مأوى عن طريق اتباع سياسات استباقية فيما يتعلق بملكية الأراضي، والنظم الخاصة بها، وتمويلها، وتقديم الخدمات.
وتتمثل إحدى الاستراتيجيات في التركيز على توفير إمكانية الحصول على أراض مزودة بالخدمات لملايين البشر الذين تتزايد أعدادهم. ويجب أن تشيع في هذه الرؤية الواقعية البحتة. فحكومات البلدان التي تتسم بسرعة التحضر فيها غير قادرة على توفير الإسكان والخدمات الحضرية المرغوبة لمعظم فقرائها الذين يعيشون حالياً في الحضر لديها. ولن تتمكن هذه الحكومات من تلبية احتياجات الأعداد المتزايدة بسرعة من سكان الحضر الإضافيين. ومن قبيل عدم الواقعية أكثر من ذلك حتى تصوُّر أن سكان الحضر الجدد أولئك سيكونون قادرين على التنافس بنجاح فيما يمثل بالتأكيد أسواقاً عقارية مزدهرة.
وفي ظل هذه الظروف، يمثل توفير أراض مزودة بالحد الأدنى من الخدمات حلاً للمشكلة. ويتمثل الهدف من ذلك في توفير قطعة من الأرض للفقراء يمكن الوصول إليها بواسطة سبل النقل ذات العجلات (بدءًا من الحافلات وانتهاء بالدراجات) ولديها، على الأقل، توصيلات ميسورة بشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والتخلص من النفايات.
وهذا المسكن الأول غالباً ما يكون كوخاً بسيطاً، مصنوعاً من أي نفايات متاحة. ولكن من المرجح أنه سيتحسن: فتاريخ المستوطنات غير الرسمية يعلِّمنا أن الفقراء عندما يشعرون بالأمان بشأن حيازتهم لمساكنهم، وعندما تتاح لهم إمكانية حصول معقولة على سبل للرزق وعلى الخدمات، فإنهم يحسنون مساكنهم بمرور الوقت.
فاستثمار الأسر في منازلها هو وسيلة تبني بها أثمن أصل من الأصول التي تملكها، وهو أصل يمكن أن تعتمد عليه في حالات الطوارئ. وبمساعدة من الجيران وبدعم من الحكومة ومن المنظمات غير الحكومية تستطيع الأسر أن تحسن الخدمات الأساسية التي تحصل عليها.
وتزويد الفقراء بأراض مزودة بخدمات دنيا ليس حلاً سهلاً: فبالنظر إلى نَهَم المصالح الاقتصادية المعنية، وعدم وضوح الملكية في كثير من المدن النامية، وقدرة أسواق الأراضي غير الرسمية قدرة خارقة على تحقيق ربح باستغلال الفقراء، دائماً ما يكون التعامل في مجال استخدام الأراضي مفعماً بصعوبات. فالمستفيدون المقصودون ليسوا وحدهم الذين توجد لديهم موارد محدودة للغاية، بل ينطبق ذلك أيضاً على أجهزة الحكم المحلي والحكومات الوطنية بوجه عام. وعلاوة على ذلك، لا ترغب الحكومات عموماً إلى حد كبير في اتخاذ القرارات السياسية الصعبة التي تتطلبها هذه المسألة.
ومازال توفير أراض مزودة بخدمات دنيا يطرح صعوبات تقنية وسياسية، مع أنه أقل طموحاً بكثير من النهج التقليدي المحتوم فشله، المتمثل في توفير إسكان مبني ومزود بخدمات كاملة. ويقتضي تحقيق ذلك إحداث تغيير جذري في النُهُج المتعلقة بالتخطيط للأراضي الحضرية، كما يقتضي ثورة في تفكير الساسة والمخططين.
|