|
تنظيم أسواق الأراضي الحضرية: هل هو مهمة مستحيلة؟
لا يوجد افتقار إلى الأراضي. ولكن المشكلة هي وجود أسواق للأراضي لا تعمل على النحو المطلوب، ووجود أنظمة موجهة توجيهاً سيئاً، وعدم وجود سياسات إدارية استباقية.(20)
إن الصعوبات التقنية الرئيسية التي ينطوي عليها توفير أراض من أجل فقراء الحضر تتعلق بما يلي: (أ) تحديد أراض كافية يمكن البناء عليها والحصول على تلك الأراضي؛ (ب) استنباط طرائق مستدامة لتمويل نقل تلك الأراضي إلى الفقراء؛ (ج) تنظيم الطريقة التي تعمل بها أسواق الأراضي.
ولقد كان النقص المزعوم في الأراضي عقبة رئيسية تحول دون اتباع سياسات إسكانية أكثر فعالية من أجل الفقراء. وتشكل الحاجة إلى حماية الأراضي البيئية والزراعية من التوسع الحضري الفوضوي شاغلاً حقيقياً. إلا أن معظم المدن مازالت لديها أراض يمكن البناء عليها في مواقع جيدة، ولكنها أراض تملكها أو تسيطر عليها مصالح خاصة أو وكالات حكومية لا يعنيها استخدام الأراضي استخداماً موجهاً اجتماعياً. ومن ثم فإن النقص الحقيقي ليس نقصاً في الأراضي بل هو نقص في الأراضي المزودة بخدمات والميسورة الأسعار.
وتلبية احتياجات الفقراء من حيث الأراضي أسهل في سياق وجود أسواق منظمة تنظيماً جيداً للأراضي والإسكان. فالأسواق الفعالة لا تتيح فحسب مزيداً من الأراضي للفقراء، بل تحبذ أيضاً النمو الاقتصادي.
وعدم وجود تنظيم جيد يؤدي فعلاً إلى زيادة الفقر : فبمقارنة كل متر، يدفع سكان المستوطنات غير الرسمية ثمناً للأراضي والخدمات أعلى من الثمن الذي يدفعه سكان المناطق السكنية الأغنى.(21) كما أن الأسواق غير المنظمة تجعل من الصعب على الهيئات الحكومية تحصيل الضرائب العقارية أو الحد من المضاربة على الأراضي وتكوين موارد على هذا الأساس من أجل التخطيط لاستخدام الأراضي تخطيطاً موجهاً اجتماعياً (انظر الإطار 16).
 |
|
|
إن المشكلة لا تتمثل في نقص الأراضي أو في عدد سكان الحضر الفقراء بقدر ما تتمثل في تقييد إمكانية حصولهم على أراض ومساكن مزودة بالخدمات وذلك بسبب تشوُّه أسواق الأراضي.
وتزويد المناطق المأهولة فعلاً بالخدمات تتجاوز تكلفته توفير أراض مزودة بالخدمات في مواقع غير مأهولة. إلا أن السلطات العامة، متذرعة بعدم كفاية الأموال، يبدو أنها تعتبر الاستثمارات الأقل في البرامج التي تنفذ لاحقاً أكثر جاذبية من اتباع سياسات استباقية مخططة جيداً. ومن الممكن تحقيق الكثير لتحسين الوضع، مثلاً بسن تشريع خاص لتوفير أراض مزودة بخدمات كافية من أجل الجماعات المنخفضة الدخل. وباستطاعة المدن أن تموِّل التنمية الحضرية بفرض ضرائب على الزيادات في قيمة الأراضي التي تنجم إما عن الاستثمار العام في البنية التحتية أو الخدمات الحضرية المحلية، أو عن إعادة تحديد استخدامات الأراضي بتوجيهها نحو الاستخدامات الأكثر ربحاً، من قبيل تحويلها من الاستخدامات الريفية إلى الاستخدامات الحضرية أو من الاستخدامات السكنية إلى الاستخدامات التجارية.
وفقراء الحضر يُعامَلون عادة وكأنهم سلبيون فيما يتعلق بإنتاج واستهلاك الأراضي، مع أن لديهم قدرة ما على دفع ثمن الأراضي، رغم انخفاض دخولهم وعدم استقرارها. بل إن الفقراء يدفعون بالفعل في حقيقة الأمر أسعاراً مرتفعة جداً للإسكان الذي يعثرون عليه عن طريق السوق غير الرسمية. وهذه القدرة على الدفع يمكن تعبئتها تعبئة أفضل عن طريق التنظيم الرسمي وتوفير قطع من الأراضي.
ومن ثمة فإن شحة الأراضي أو الموارد المالية ليست العقبة الوحيدة التي تحول دون تطبيق سياسات قابلة للاستدامة. فمن اللازم، بمعنى ما، حماية الفقراء من الممارسات الاستغلالية التي يتبعها المقاولون الذين يستفيدون من الخدمات التي تقدمها المجتمعات المحلية أو يقدمها القطاع العام. ويلزم توافر الإرادة السياسية، وكذلك القدرات الإدارية والتقنية، لتحديد الموارد المتاحة والحصول عليها واستثمارها على النحو السليم ـ بما في ذلك موارد الفقراء أنفسهم ـ في تحقيق تنمية حضرية أكثر إنصافاً.
|
ولقد كان تمويل الإسكان الموجه اجتماعياً صعباً دائماً، ولكن لا يوجد افتقار إلى مقترحات مبتكرة، بعد تجاوز عقبة التحيز المناهض للحضر. ففي ظل وجود أسواق منظمة للأراضي يمكن توجيه دعم أجهزة الحكم المحلي والمنظمات غير الحكومية ووكالات التمويل الدولية نحو اتباع نَهْج أكثر استباقاً.
وباستطاعة الوكالات الدولية والمتعددة الأطراف أن تُحدث فارقاً. والقواعد الجديدة لمنظومة الأمم المتحدة، التي أعلنها الأمين العام في آب/أغسطس 2006، ستُمكِّن الأمم المتحدة من التغلب على هذا القصور البنيوي وتوفير دعم أكثر فعالية فيما يتعلق بتمويل إسكان ميسور. وسيشمل هذا الدعم نظماً لتمويل الرهن تكون في صالح الفقراء، وهي نظم يجري اختبارها حالياً ميدانياً، كبديل لسياسات الإسكان الاجتماعي التقليدية(22). وسيتعين إيلاء اهتمام خاص لما يوجد في قنوات الائتمان الرسمية من معوقات ضد المرأة تحول دون استفادتها من هذه السوق. ولقد ثبت أن إمكانية الحصول على التمويل المتناهي الصغر تدعم تمكين المرأة وتساعد على الحد من الفقر الحضري.
|