Chapter 2 الناس في المدن: الأمل مقابل الدمار

مآسي فقراء الحضر غير المرئية

الأحياء العشوائية الفقيرة: تركيز الفقر تركيزاً لا نظير له

التفاوتات المستمرة

تمكين المرأة وسلامتها: ركيزتا المدن القابلة للاستدامة

التناقضات الاجتماعية في المدن المتنامية: الحوار والخلاف

التغير الديمغرافي في المدن المتنامية

تحسين الحكم الحضري وإشراك الفقراء: الشيء الصحيح الذي يجب عمله



"مع زيادة تحضر العالم النامي ومع تحول بؤرة الفقر إلى المدن، سيتعين خوْض المعركة لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية في أحياء العالم الفقيرة"(1)

إن النمو الحضري غير المسبوق الذي يحدث في البلدان النامية يعبر عن آمال ومطامح ملايين من المتحضرين الجدد. فالمدن تنطوي على إمكانات هائلة لتحسين حياة الناس، ولكن الإدارة الحضرية القاصرة، التي كثيراً ما تستند إلى تصورات ومعلومات غير دقيقة، يمكن أن تحيل الفرصة إلى كارثة.

وإدراكاً لهذه الفجوة فقد أوصى برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بأن: "تعمل الحكومات على زيادة قدرة وكفاءة سلطات المدن والبلديات على إدارة التنمية الحضرية وصون البيئة، وتلبية احتياجات جميع المواطنين، بمن فيهم المستقطنون في الحضر، إلى السلامة الشخصية والهياكل والخدمات الأساسية، وعلى القضاء على المشاكل الصحية والاجتماعية، ومن بينها مشاكل المخدرات والإجرام، والمشاكل الناشئة عن الاكتظاظ والكوارث، وتزويد السكان ببدائل للعيش في المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية والكوارث التي هي من صنع الإنسان"(2). ويتناول هذا الفصل بعض هذه الشواغل، لاسيما من حيث تأثيرها على المرأة، في ضوء النمو الحضري المستقبلي المتوقع في البلدان النامية.

مآسي فقراء الحضر غير المرئية(3)

حتى عهد قريب كانت المستوطنات الريفية هي بؤرة الفقر والمعاناة البشرية. وأظهرت مقاييس الفقر جميعها، سواء استندت إلى الدخل أو الاستهلاك أو الإنفاق، أن الفقر الريفي أعمق وأوسع انتشاراً من الفقر في المدن(4). فالمراكز الحضرية تتيح على وجه الإجمال سبلاً أفضل للحصول على الخدمات الصحية والتعليم والاستفادة من البنية التحتية الأساسية والحصول على المعلومات والمعارف والفرص(5). وكان من السهل فهْم هذه الاستنتاجات بالنظر إلى حجم مخصصات الميزانية وتركيز الخدمات وغيرها من الفوائد غير الملموسة في المدن.

إلا أن الفقر يتزايد الآن في المناطق الحضرية بسرعة أكبر من السرعة التي يتزايد بها في المناطق الريفية ولكنه نال اهتماماً أقل بكثير. فالإحصاءات التجميعية تخفي أوجه انعدام مساواة غائرة وتموِّه تركيزات الفقر القاسي داخل المدن. وأغلبية التقييمات تقدر مدى الفقر الحضري وعمقه تقديراً أقل من الحقيقة(6).

فمئات الملايين يعيشون في حالة فقر في مدن دول منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، ومن المؤكد أن أعدادهم ستتضخم في السنوات المقبلة. فأكثر من نصف سكان الحضر يعيشون تحت خط الفقر في أنغولا وأرمينيا وأذربيجان وبوليفيا وتشاد وكولومبيا وجورجيا وغواتيمالا وهايتي ومدغشقر وملاوي وموزامبيق والنيجر وسيراليون وزامبيا. وتوجد بلدان أخرى كثيرة تعيش فيها نسبة تتراوح من 40 إلى 50 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ومن بين تلك البلدان بوروندي والسلفادور وغامبيا وكينيا والجمهورية القيرغيزية ومولدوفا وبيرو وزمبابوي. وستنضم دول أخرى كثيرة إلى هذه القائمة إذا روعيت في خطوط الفقر فيها التكاليف الفعلية للضروريات غير الغذائية في المناطق الحضرية(7).

وكثيراً ما يبدد سوء الإدارة الحضرية المزايا الحضرية والإمكانات الحضرية فيما يتعلق بالحد من الفقر. ومع أن الفقر الحضري يتزايد بسرعة أكبر من السرعة التي يتزايد بها الفقر في المناطق الريفية، إلا أن الوكالات الإنمائية لم تبدأ إلا مؤخراً في تقدير حاجتها إلى القيام بتدخلات جديدة للتصدي لجذور الفقر.

الأحياء العشوائية الفقيرة: تركيز الفقر تركيزاً لا نظير له

لقد كان الفقر والتسول وانعدام المأوى جزءًا من المشهد الحضري منذ أول مدن أنشئت في منطقة ما بين الرافدين. وينحصر وجود الفقراء، في معظمهم، في مناطق معزولة اجتماعياً تسمى بوجه عام "عشوائيات فقيرة" (انظر الإطار 4). ويرجع مفهومنا للعشوائيات الحديثة إلى الثورة الصناعية كما شهدتها لندن في القرن التاسع عشر أو كما شهدتها نيويورك في أوائل القرن العشرين.(8)

4

العشوائيات الحضرية وفقراء الحضر

يُستخدم مصطلح "عشوائيات" للإشارة إلى أنماط كثيرة من الإسكان، من بينها تلك التي يمكن تحسين مستواها. وكثيراً ما تستخدم مصطلحات من قبيل "عشوائيات"، و "مدن الأكواخ"، و "المستوطنات غير النظامية"، و "الإسكان الاستقطاني"، و "المجتمعات المحلية المنخفضة الدخل" على أساس أنها تعني نفس الشيء.

ووفقاً لموئل الأمم المتحدة، "الأسرة المعيشية في العشوائيات" هي مجموعة أفراد يعيشون تحت نفس السقف في منطقة حضرية ويفتقرون إلى واحد أو أكثر مما يلي: إسكان دائم، ومساحة كافية للمعيشة، والحصول على مياه محسنة، والحصول على مرافق صرف صحي وعلى حيازة مأمونة1.

والفقراء لا يعيشون جميعهم في عشوائيات، كما أن من يعيشون في مناطق تعرَّف بأنها عشوائيات ليسوا جميعهم فقراء. إلا أن هذا التقرير يساوي، للتبسيط، بين فقراء الحضر وسكان العشوائيات.

والسمات الأساسية للحياة في المناطق العشوائية الفقيرة لم تتغير: فالاختلاف الآن هو اختلاف في النطاق. فسكان المناطق العشوائية الفقيرة في الألفية الجديدة أصبحت أعدادهم لا تقتصر على بضعة آلاف في بضع مدن في قارة تكتسب بسرعة طابع التصنيع. بل هم يشملون واحداً بين كل ثلاثة أشخاص من سكان المدن، بحيث يبلغ عددهم بليوناً، ويمثلون سدس سكان العالم.(9)

ويوجد حالياً أكثر من 90 في المائة من سكان العشوائيات الفقيرة في العالم النامي. وتوجد في جنوب آسيا أكبر حصة منهم، تليها شرق آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء، وأمريكا اللاتينية. ويوجد في الصين والهند معاً 37 في المائة من العشوائيات الفقيرة في العالم. وفي أفريقيا جنوب الصحراء أصبح التحضر مرادفاً تقريباً لنمو العشوائيات الفقيرة؛ ويعيش 72 في المائة من سكان الحضر في المنطقة في ظل ظروف عشوائية فقيرة، بالمقارنة بنسبة قدرها 56 في المائة في جنوب آسيا. ولقد تضاعف تقريباً عدد سكان العشوائيات الفقيرة في أفريقيا جنوب الصحراء في غضون 15 عاماً، بحيث بلغ حوالي 200 مليون شخص في عام 2005.

وقد أقر إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية بأهمية معالجة وضع سكان العشوائيات الفقيرة في الحد من الفقر بوجه عام وفي النهوض بالتنمية البشرية. وعلى الرغم من قوة هذا الالتزام فإن رصد التقدم المحرز فيما يتعلق بحالة سكان العشوائيات الفقيرة يشكل تحدياً(10). وتلزم الآن تدخلات استباقية على صعيد السياسات إذا كان المراد للدول أن تفي بالغاية 11 من الأهداف الإنمائية للألفية(11) وتحسِّن حياة الملايين من فقراء الحضر.

التفاوتات المستمرة

إن أوجه الحرمان التي يعاني منها فقراء الحضر بالمقارنة بسكان المدن الأخرى ليست أوضح في أي مجال آخر مما هي في المجال الصحي(12). ووضع المرأة الريفية الفقيرة سيئ على وجه الخصوص. فعلى الرغم من أن الدخل النقدي أهم كثيراً في المدن مما هو في القرى، يمثل فقر الدخل جانباً واحداً فقط من الفقر الحضري. أما الجوانب الأخرى فهي سوء المأوى واكتظاظه المفرط، وانعدام الخدمات العامة والبنية التحتية من قبيل المياه الجارية ومرافق الصرف الصحي وجمع القمامة وتصريف المياه والطرق، فضلاً عن عدم ضمان حيازة الأرض (انظر الإطار 5). وأوجه الحرمان هذه تؤدي إلى زيادة أعباء فقراء الحضر من حيث الصحة والعمل وتؤدي أيضاً إلى زيادة المخاطر التي يتعرضون لها من جرّاء الأخطار البيئية والجريمة.

5

الحياة في العشوائيات الفقيرة والمدن الجديدة في مصر

لقد كانت فريال السيد تسمي غرفة مربعة صغيرة للغاية مكتظة بسرير ومقعدين، وحيزاً أصغر حجماً يحتوي على مطبخ وحمام، "منزلاً" طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية. وقد بدأ السقف يتهاوى، وكان لزاماً على السيدة فريال السيد، البالغة من العمر 62 عاماً، أن تقوم بوضع طبقة بلاستيكية تحت السقف لكي تسقط فيها الأنقاض. ومع ذلك فهي أفضل حالاً من بعض جيرانها في الحي الثالث في عزبة الهجانة، الذين لا توجد أية أسقف فوق رؤوسهم والذين يضطرون، في الليالي المطيرة، إلى النوم تحت أسرتهم.

وعزبة الهجانة، وهي منطقة عشوائية مترامية الأطراف في شمال شرق القاهرة، هي إحدى أكبر العشوائيات الحضرية، أي "المناطق غير النظامية"، التي تحيط بهذه المدينة. وهي، لوجود أكثر من مليون ساكن فيها، من بين الأماكن القليلة التي يمكن فيها لأفقر فقراء مصر أن يدبروا لأنفسهم مسكناً ما، فهي مكان تطن فيه باستمرار كابلات عالية الفلطية فوق رؤوسهم، وتتسرب مياه المجاري تحت أقدامهم، وتملأ أدخنة حرق القمامة رئتيهم.

ويقول حازم حسن، الذي يعمل في مؤسسة الشهاب للتنمية الشاملة، وهي منظمة أهلية تساعد سكان عزبة الهجانة منذ عام 2001، "علاوة على جميع أنواع الأمراض، تحدث دائماً حرائق في هذه المساكن بسبب الكابلات العالية الفلطية. وستقوم مؤسسة الشهاب قريباً ببناء أسقف جديدة من أجل 50 مسكناً من أشد المساكن تعرضاً للخطر في الحي، من بينها مسكن السيدة فريال السيد.

ولقد زاد عدد سكان القاهرة زيادة هائلة أثناء العقود الثلاثة الماضية، بحيث تضاعف من 6.4 ملايين نسمة في عام 1975 إلى 11.1 مليوناً في عام 2005. ويتضح من أحدث إحصاءات لوزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات الحضرية المصرية وجود 221 1 "منطقة عشوائية" مماثلة لعزبة الهجانة. وتؤوي تلك العشوائيات عدداً من السكان يتراوح من 12 إلى 15 مليوناً من سكان البلد البالغ عددهم 77 مليوناً. وتوجد سبعة وستون من هذه العشوائيات في منطقة القاهرة الكبرى.

وتقوم الوزارة بتحويل اتجاه تدفق الناس بعيداً عن مدن مصر الكبيرة وذلك عن طريق مشاريع التنمية وتوفير إسكان منخفض التكلفة في "المدن الجديدة". والمدن الجديدة الواقعة في منطقة القاهرة وحدها قد استوعبت 1.2 مليون شخص كانوا لولا ذلك سينتهي بهم الأمر بالعيش في عشوائيات. ولكن على الرغم من الحوافز التي تقدمها الحكومة، لا يقدر كثيرون من الناحية المالية على الانتقال إلى هناك. ومن ثم يتمسك أشخاص من قبيل السيدة فريال السيد بالبقاء في عزبة الهجانة. وهي مازالت، رغم ورطتها، متفائلة، ربما لأنها تدرك أن حظها أفضل من حظ كثيرين من جيرانها، وأن هناك سقفاً جديداً في الطريق إليها.

والفقراء يعيشون في بيئة غير صحية(13). وتنشأ المخاطر الصحية من سوء الصرف الصحي، وعدم وجود مياه نقية، والاكتظاظ وسوء التهوية في بيئتي المعيشة والعمل، ومن تلوث الهواء والتلوث الصناعي. والغذاء غير الكافي يحد من مقاومة "سكان العشوائيات الفقيرة" للمرض، خصوصاً لأنهم يعيشون باستمرار في وجود كائنات حية دقيقة مُمْرضة(14).

ويقدم تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المعنون تقرير التنمية البشرية لعام 2006 عرضاً ممتازاً للعلاقات بين القوة والفقر والمياه(15). وهو يبرز استعصاء الواقع الصارخ لحياة العشوائيات الفقيرة على التحليل الإحصائي. فغالباً ما يعيش كثيرون في مجمعات مكونة من عدة مساكن، حيث يخدم مرحاض واحد جميع الكبار والأطفال. وقد تُخصص المراحيض للكبار، ويضطر الأطفال إلى الذهاب إلى أماكن أخرى في المجمع أو إلى الشوارع التي يلعبون فيها(16). وتقاسم ثلاثة مراحيض ودُش واحد مع 250 أسرة معيشية في مجتمع ما ليس على الإطلاق غير معتاد في مدن أفريقيا جنوب الصحراء. وهذه الأوضاع تؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية على جميع السكان، خصوصاً النساء اللائي يتعرضن أيضاً لمخاطر أكبر تتعلق بالعنف بسبب جنسهن(17). وفي أمريكا اللاتينية لا تتاح سوى لنسبة لا تتجاوز 33.6 في المائة من فقراء الحضر إمكانية استخدام مراحيض ذات تصريف، بالمقارنة بنسبة قدرها 63.7 في المائة بين نظرائهم غير الفقراء من سكان الحضر(18).

والمياه مورد شحيح وباهظ التكلفة بالنسبة لفقراء الحضر، وكثيراً ما يحصلون عليها بكميات ضئيلة من بائعين في الشوارع. وعند شراء المياه بهذه الطريقة فإن تكلفة الوحدة منها تكون أعلى كثيراً عنها بالنسبة لمن توجد لديهم مياه جارية في منازلهم. وفي حالة وجود إمدادات مائية عامة من خلال أنابيب، فإن الحصول عليها قد ينطوى على القيام برحلات طويلة إلى موقع المياه في الحي، والانتظار ساعات طويلة، والقيام برحلات مرهقة للعودة إلى المنزل مع حمل أوعية (جراكن) مملوءة، وتخزين المياه بعناية للحد من هدرها، وإعادة استخدام نفس المياه عدة مرات، مما يؤدي إلى زيادة مخاطر التلوث(19).

وتستغرق الأعباء المتعلقة بالمياه قدراً كبيراً من وقت النساء والفتيات. فقد وجدت دراسة بشأن استخدام الوقت شملت 10 مواقع في شرق أفريقيا أن وقت الانتظار للحصول على المياه قد ارتفع من 28 دقيقة يومياً في عام 1967 إلى 92 دقيقة في عام 1997 (20). والعبء الجسدي وعبء الوقت لا ينبعان من بُعد المسافات عن مصدر الإمداد، كما هو الحال في القرى، بقدر ما ينبعان من الأعداد الكبيرة من البشر الذين يتعين عليهم أن يستخدموا نفس المصدر (انظر الإطار 6).

6

الحصول على المياه في "كبيرة"، أكبر حي عشوائي فقير في أفريقيا(1)

يُستخدم مصطلح "عشوائيات" للإشارة إلى أنماط كثيرة من الإسكان، من بينها تلك التي يمكنيقول البعض إن نصف مليون شخص يعيشون هناك. ويقول آخرون إن الرقم يتجاوز مليوناً. ولا أحد يعلم حقاً ... فسكان "كبيرة" يعيشون في أكواخ من الصفيح أو في "منازل" من الطين لا توجد فيها مراحيض، ولا أسِرة، ويوجد بها قدر ضئيل من المياه. أما الكهرباء فلا وجود لها تقريباً. ومعظم مراحيض الحُفَرْ مملوءة ومسدودة، ومن ثم يستخدم الناس ما يسمونه "مراحيض طائرة" حيث يتغوطون في أكياس من البلاستيك يلقونها في أكوام في الشارع. ويلعب الأطفال فوق هذه الأكوام.

"وتجلس سابينا المتوسطة العمر إلى جانب أنبوب مياه قائم لتتقاضى من الناس ثمناً مقابل ملء أوعية تبلغ سعتها 20 لتراً بمياه يفترض أنها نقية. ولكن الأنابيب، وكثرة منها ترشح، تمر عبر بحيرات مجاري مكشوفة. وعند انخفاض الضغط، مثلما يحدث معظم الأيام، تمتص الأنابيب البراز. وتشرح سابينا الوضع قائلة "إنني أتقاضى 3 شلنات (4 سنتات) مقابل كل وعاء، ولكن عندما تكون كمية المياه أقل فإنني أرفع السعر إلى 5.5 شلنات". وسابينا تجلس هناك 11 ساعة يومياً ولكنها لا تتقاضى ثمناً. فالأنابيب القائمة تسيطر عليها شخصيات في الظل، يشاع أنهم مسؤولون حكوميون يحققون مكاسب نقدية جيدة منها".

والارتباط بين الفقر والبيئة والإسكان في المناطق الحضرية حاسم الأهمية لأنه يشير إلى مجال أساسي للتدخل. فالسياسات الموجهة إلى تحسين المأوى في المناطق الحضرية يمكن أن تكون لها تأثيرات هائلة على الحد من الفقر وعلى سلامة البيئة. وإحراز تقدم فيما يتعلق بمؤشرات الصحة والوفيات يعتمد اعتماداً كبيراً للغاية على معالجة المياه والصرف الصحي في الحضر.


تمكين المرأة وسلامتها: ركيزتا المدن القابلة للاستدامة

"بالنظر إلى أن النساء هن عموماً أفقر الفقراء ... فإن إزالة التمييز الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي ضد النساء شرط مسبق للقضاء على الفقر ... في سياق التنمية المستدامة".(21)

تيسر المرافق الاجتماعية والمادية الموجودة في المدن حدوث تغَيُّر منصف للمرأة. وفي حقيقة الأمر، يتيح تركُّز السكان في المناطق الحضرية إمكانيات كثيرة للنساء –سواء كن مهاجرات أو مولودات في تلك المناطق– للقاء، والعمل، وتكوين شبكات دعم اجتماعي، وتبادل المعلومات، وتنظيم أنفسهن حول الأمور التي تنطوي على أكبر أهمية بالنسبة لهن. والمدن تحبذ عادة التنوع الثقافي الأكبر وتحبذ، كشيء ملازم لذلك، مزيداً من المرونة في تطبيق الأعراف الاجتماعية التي تتعدى تقليدياً على حرية المرأة في الاختيار.

وبالمقارنة بالمناطق الريفية، تتيح المدن للنساء مرافق تعليمية أفضل وخيارات عمل أكثر تنوعاً. وتتيح مزيداً من الفرص للمشاركة الاجتماعية والسياسية، فضلاً عن إمكانية الاطلاع على وسائط الإعلام والحصول على المعلومات والتكنولوجيا. وتتيح المدن سبلاً كثيرة للوصول إلى سلطة صنع القرار عن طريق المشاركة المجتمعية والسياسية.

وباستطاعة النساء أن يستخدمن الحيز الحضري للتعبير عن أصواتهن، والمشاركة في السياسة المجتمعية والتنمية، والتأثير في العمليات الاجتماعية والسياسية على جميع الصعد. وباستطاعة المرأة أن تستفيد من قرب الخدمات الحضرية وزيادة توافرها، وهذه الخدمات من قبيل المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة ووسائل الانتقال؛ وهذه كلها خدمات يمكن أن تحد من العبء الثلاثي الواقع على المرأة والمتمثل في الإنجاب والإنتاج والعمل المجتمعي، مما يحسن حالتها الصحية وحالة صحة أطفالها وأسرتها.

التعليم في البيئات الحضرية: سد الفجوة بين الجنسين؟

يؤدي التحضر إلى زيادة إمكانية حصول الفتاة على التعليم ويعزز القبول الثقافي لحقها في التعليم. ولتعليم البنات على المستوى الابتدائي، ولتعليمهن بالذات على المستوى الثانوي، تأثيرات مضاعفة جوهرية تؤدي إلى تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة وتوسيع نطاق حريتها في الاختيار. فالمرأة المتعلمة تتزوج عادة في مرحلة متأخرة، وتنجب عدداً أقل من الأطفال الأوفر صحة(22). وفي مرحلة النضج، تكون لديهن قدرة أكبر على العمل، وقدرة أكبر على كسب دخل، وسلطة اتخاذ القرار داخل الأسرة المعيشية(23). ومن بين الفوائد الأخرى المعارف والقدرات التي تمكنهن من الحفاظ على صحتهن وحمايتها، بما يشمل منع الحمل غير المرغوب والوقاية من الأمراض التي تنتقل جنسياً، ومن بينها فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. وكل ذلك يساهم في مكافحة الفقر.

وقدرة الأسر على إلحاق البنات وكذلك البنين بالمدارس وإبقائهم فيها تؤثر تأثيراً قوياً في مدى وعمق الفقر الحضري وانتقال الفقر من جيل إلى الجيل التالي. ومن دواعي الأسف، أنه فى البلدان التي تنخفض فيها معدلات القيد في المدارس بوجه عام، تنقطع عن الدراسة فتيات كثيرات قبل محو أميتهن الوظيفية. وتشير بيانات المسوح الديمغرافية والصحية إلى أربعة أسباب رئيسية لذلك، هي: عدم توافر موارد مالية؛ والزواج والحمل المبكران؛ والمسؤوليات الأسرية؛ وضعف الآداء المدرسي. كما أن الرسوم المدرسية، والزي المدرسي والمواد الدراسية، وفقدان الدخل أو مساعدة الأسرة المعيشية، والإنفاق على الانتقال وغير ذلك من تكاليف إرسال الأطفال إلى المدرسة قد تكون عائقاً بالنسبة لأسر فقيرة كثيرة وتحد من الميزة التعليمية الحضرية. وإذا اضطرت الأسر إلى الاختيار، فإن البنات هن عادة اللائي يقع عليهن الاختيار أولاً للاستغناء عن التعليم المدرسي أو لإخراجهن من المدارس.

وتكشف البيانات المتعلقة بالفوارق داخل المدن عن وجود فوارق هائلة في إمكانية الحصول على التعليم وفي مستويات معرفة القراءة والكتابة بين المناطق العشوائية الفقيرة والأحياء الأغنى. وفي بعض البلدان، من قبيل بنغلاديش وكولومبيا والهند وباكستان، تقل نسبة معرفة القراءة والكتابة بين النساء اللائي يعشن في مناطق عشوائية فقيرة بما يتراوح من 30 إلى 50 في المائة عن نظيرتها في المجتمعات المحلية غير الفقيرة(24). وقدرة الشباب على مواصلة تعليمهم المدرسي تتأثر بالعمر عند الزواج، والحمل، وإعالة الأسرة المعيشية. فمن الأرجح أن تنجب الشابات والشبان الذين ينتمون إلى أسر معيشية منخفضة الدخل أطفالاً، ويتزوجوا، أو يصبحوا مسؤولين عن إعالة الأسرة المعيشية أكثر من احتمال ذلك في حالة نظرائهم ذوي الدخل الأعلى(25).

سوق العمل: هل هو مخرج؟

إن إمكانيات العمل أكثر تنوعاً بكثير في المناطق الحضرية لكل من الرجال والنساء. فالتحضر قد عزز كثيراً مشاركة المرأة في القوى العاملة(26). وعمالة المرأة بأجر لا تؤدي فحسب إلى زيادة دخل الأسرة المعيشية بل يمكن أيضاً أن تُحدث تحولات في أدوار الجنسين وترتقي بوضع المرأة في الأسرة وفي المجتمع.

وقد حدثت، على نطاق العالم، زيادة كبيرة في عمالة المرأة بأجر في القطاع غير الزراعي أثناء السنوات الأخيرة(27). فقد أتيحت فرص جديدة، وبخاصة في قطاعات التجارة(28) وفي المشاريع المنزلية المرتبطة بشبكات الإنتاج العالمي(29). فعلى سبيل المثال، تشكل الشابات نسبة قدرها 80 في المائة من العاملين في مناطق تصنيع الصادرات البالغ عددهم 50 مليوناً(30).

7

مساعدة فتيات الشوارع على العثور على عمل

يدعم المكتب القطري لإثيوبيا التابع لصندوق الأمم المتحدة للسكان مركز التدريب الخيري، وهو منظمة غير حكومية حضرية تقدم التدريب المهني للشابات والفتيات اللائي تتراوح أعمارهن من 18 إلى 25 عاماً بهدف تمكينهن من ممارسة العمالة الذاتية أو العثور على عمل بأجر. والفئات المستهدفة الرئيسية هي فتيات الشوارع ـ أي الفتيات اللائي ينتمين إلى أسر منخفضة الدخل ويتعرضن لحياة الشوارع نتيجة للحرمان الاقتصادي، والإهمال، وتفكك الأسرة، والصراع المدني، والحروب. وإلى جانب التدريب على مهارات مختلفة، من قبيل الحرف اليدوية الجلدية، والنسج، والحبك بالصنارة، والحياكة، والتطريز، وتصفيف الشعر، يقدم المركز تدريباً بشأن الصحة، وإدارة المنزل، والتغذية، وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وتنظيم الأسرة.

ومع ذلك فإن معظم نمو عمالة الإناث يحدث في القطاع غير الرسمي الذي يتيح معظم فرص العمل الجديدة في العالم(31)، حيث تشكل النساء أغلبية كبيرة، وبخاصة في أفريقيا وآسيا(32). والعمالة غير الرسمية حاسمة الأهمية فيما يتعلق بتمكين المرأة من امتصاص الهزات الاقتصادية التي تتعرض لها الأسر المعيشية الفقيرة. وفي هذا الصدد، تنطوي عمالة المرأة، المأجورة وغير المأجورة، على أهمية أساسية لإبقاء أسر معيشية كثيرة خارج دائرة الفقر(33). أما الجانب السلبي فهو أن قدراً كبيراً من العمل غير الرسمي غير مستقر، وسيئ النوعية، وأجره هزيل(34).

الطريق الطويل إلى ملكية المرأة للعقارات

توفر الأصول المادية والمالية للمرأة ما هو أكثر من الرفاه الاقتصادي والأمن. فالحيازة القانونية للعقارات تؤدي إلى زيادة فرص المرأة في الحصول على ائتمان، وإدرار دخل، والتحصن ضد الفقر. وتمكن تلك الحيازة أيضاً النساء في علاقاتهن مع شركائهن وأسرهن، وتقلل من تعرضهن للعنف وللإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وتوفر شبكة أمان للمسنات.

وتمتلك النساء أقل من 15 في المائة من الأراضي على نطاق العالم(35). وفي بعض البلدان لا تستطيع النساء أن يتملكن قانوناً عقارات على نحو منفصل عن أزواجهن، خصوصاً في بعض مناطق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. ولا تتوافر للنساء، بالنظر إلى افتقارهن إلى سند ملكية قانونية للأراضي والعقارات، أي ضمانة تقريباً للحصول على قروض وائتمانات، مما يحد من الخيارات الاقتصادية المتاحة لهن. وفي بعض البيئات، على الرغم من أن المرأة يمكن أن تتملك قانوناً وترث عقارات، فإن العرف يملي سيطرة الرجل على تلك العقارات وانتقال تلك العقارات إلى الورثة الذكور فقط عند وفاة الرجل. ومن الصعب أو من المستحيل في هذه الظروف أن تمارس المرأة حقها في التملك ممارسة عملية.

وثمة أدلة على أن صعوبة الحصول على سند ملكية العقارات في المناطق الريفية يحفز النساء على الهجرة إلى المدن بأمل الحصول على عقارات هناك، حيث يُفترض أن الاحتمالات أفضل(36). وقد تتاح للمرأة أيضاً إمكانية حصول أفضل على معلومات ودعم قانونيين في المناطق الحضرية. ومن الأرجح أن تتيح المدن مزيداً من الفرص لحيازة العقارات على المدى الطويل، وذلك لما تتسم به من حيوية اجتماعية أكبر ونطاق أكبر من الإمكانيات الاقتصادية المتاحة بالنسبة للمرأة.

ومع ذلك لايزال من الضروري إجراء إصلاحات قانونية لتأمين حق المرأة في تملك عقارات على قدم المساواة بالرجل. وحيثما توجد قوانين من هذا القبيل، مازالت المدن بحاجة إلى برامج وآليات انتصاف لمعالجة العراقيل غير الرسمية من قبيل الممارسات العرفية، وانخفاض مستوى الوعي بالحقوق، وارتفاع تكلفة الأراضي والإسكان، ووجود سياسات تمييزية فيما يتعلق بالإقراض ومنح سندات الملكية.

ويوجد ارتباط وثيق بين حقوق التملك وإمكانية الحصول على ائتمانات، ولذا ليس مما يدعو إلى الدهشة أن المرأة تواجه صعوبات في الحصول على أصول مالية. وقد سدت جزئياً برامج الائتمانات المتناهية الصغر هذه الحاجة. وتتيح أيضاً الائتمانات المتناهية الصغر، التي تركت بصمتها أصلاً في البيئات الريفية، للمرأة الحضرية الفقيرة أن تُزيد قدراتها وتحسن دخلها.

اكتساب سلطة عن طريق الصوت: تحقيق ذلك عن طريق المنظمات الأهلية

إن سلطة صنع القرارات هي أحد المؤشرات الرئيسية لتمكين المرأة. وتتحسن آفاق المشاركة الرسمية للمرأة في المجال السياسي، على الرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها، ومن بينها التمييز بين الجنسين والتحيز ضد المرأة، وتعدد مسؤوليات المرأة التي لا تقدر حق قدرها، وكثرة الضغوط على وقتها وطاقتها، وانعدام الدعم في المجالات الحاسمة الأهمية من قبيل الصحة الإنجابية، وانعدام الموارد.

8

الأوجه الكثيرة للمنظمات النسائية في المناطق الحضرية

إن المناطق الحضرية، التي توجد فيها معلومات واتصالات وتكنولوجيا ذات نوعية أفضل، تمكّن النساء من أن ينظمن صفوفهن بطريقة أسرع وأكثر فعالية، وتتيح للمجموعات التي تبدأ كتعاونيات صغيرة أن تتحول إلى شبكات كبيرة بل وحتى إلى حركات دولية. ولجنة هوايرو، التي انبثقت عن المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة الذي عقد في بيجين، هي مثال من هذا القبيل. فوجود 000 35 منظمة غير حكومية مشاركة من مختلف أنحاء العالم وفر الزخم اللازم لاستمرار التربيط الشبكي لهذه المنظمات التي تقود نساء معظمها، مما جعلها حركة عالمية حقاً كان لها تأثير على وضع السياسات على كل من الصعيد المحلي والإقليمي والدولي بشأن قضايا الموئل والبيئة.(1)

ومع تزايد استخدام وسائط الأنباء والإذاعة والتليفزيون، يمكن نشر الرسائل في آن واحد، تشجيعاً للتعلم في مجالات من قبيل الصحة، ودفع قضايا محددة مثار اهتمام، وتعزيز معرفة حقوق المرأة على نطاق واسع. فمنظمة CEMINA (ومعناها: منظمة الاتصال والتثقيف والإعلام بشأن قضية المرأة)، مثلاً، تصل رسالتها إلى آلاف من المستمعين في بعض أشد المجتمعات فقراً في مختلف أنحاء البرازيل. كذلك تنقل الشبكة الإذاعية النسائية، التي تبث 400 برنامج إذاعي، التثقيف بشأن المساواة بين الجنسين والصحة والقضايا البيئية إلى بيوت كثيرة.(2)

وبدءًا من المجموعات المدنية إلى مجموعات الادخار، كانت نساء الحضر بمثابة عوامل تغيير نشطة في مجتمعاتهن، حيث يعملن على تلبية الاحتياجات من حيث المأوى وتحسين الخدمات الأساسية، وتحسين مستوى المناطق العشوائية الفقيرة، وتوفير عَصَب الأمن الاقتصادي.(3) وأنشأت رابطة النساء اللائي يعملن لحسابهن، وهي نقابة تضم 000 700 امرأة في ست ولايات هندية، مرافق تقدم الرعاية الصحية، وخدمات رعاية الطفل، والتأمين، والبحوث، والتدريب، والاتصال والتسويق، فضلاً عن الإسكان والبنية التحتية من أجل نساء الحضر الفقيرات اللائي يعملن في الاقتصاد غير الرسمي.(4) وكثيراً ما تتواصل هذه الجهود بدون دعم من الحكومة أو دعم دولي؛ ومع ذلك فقد ثبت، عند الاعتراف بالجهود القائمة التي تبذلها المرأة وإدماج تلك الجهود في عملية البرمجة، أنها جهود لا تقدر بثمن. ويمثل مشروع CAMEBA دليلاً عملياً وينبض بالحيوية على ذلك: فهذا المشروع الذي يرمي إلى تحسين مستوى المناطق العشوائية في كاراكاس، فنزويلا، ويدعمه البنك الدولي، أصبح أكثر كفاءة وقدرة على الاستدامة بعد أن شمل الجماعات النسائية التي كانت تعمل بالفعل على أرض الواقع سنوات عديدة.

وفي حالات كثيرة، تستطيع المنظمات النسائية أن تحقق ما لا تستطيع الحركات الاجتماعية الأخرى تحقيقه. ومن الممكن تحويل بعض المساوئ التي تواجهها المرأة إلى مواطن قوة. فالنساء ومنظماتهن لا يشكلن تهديداً، ليس فحسب بالنسبة للحكومات بل أيضاً بالنسبة للعصابات المحلية وما شابهها. ومن ثم هناك حالات تتعرض فيها منظمات الرجال بسرعة إما للفساد أو تتعطل بفعل النفوذ، بينما تستطيع المنظمات النسائية أن تكتسب قوة ودعماً.(5)

وقد سنت بعض الحكومات حصصاً أو قوانين لتحقيق التعادل بين الجنسين من أجل التصدي لهذه العراقيل وكفالة أن تكون للمرأة مشاركة على مستوى هام في مجالس المدن وأجهزة الحكم المحلي(37). ومع ذلك تشكل النساء حوالي 16 في المائة من أعضاء البرلمانات الوطنية في أفريقيا وآسيا و 9 في المائة في الدول العربية(38). وهاتان النسبتان المئويتان أقل كثيراً مما يعتقد أنه يشكل "الكتلة الحرجة" اللازمة للمرأة لكي تؤثر في السياسات وفي أولويات الإنفاق.

وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة في عواصم الدول، زادت مشاركة المرأة في الحكم اللامركزي. فمجالات الحكم المحلي تتيح فرصاً أكبر لتمكين المرأة ولمشاركتها السياسية، وهو وضع ينعكس إيجابياً على آفاق المرأة مع تزايد التحضر. وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يكون عدد البرلمانيات أكبر في البلدان التي توجد فيها نسبة مئوية أعلى للنساء الأعضاء في مجالس المدن، وهو ما يمكن، بدوره، أن يعود بالفائدة على المرأة على مستوى البلديات(39).

ومن ثم يمكن للتحضر أن يكون عاملاً مؤثراً في تهيئة الظروف لتمكين المرأة. وتحويل هذه الإمكانية إلى حقيقة واقعة هو أحد أجدى سبل تعزيز حقوق الإنسان، وتحسين ظروف معيشة الفقراء، وجعل مدن البلدان النامية أماكن أفضل للعيش فيها.

المدن تناسب طبيعياً المشاركة الاجتماعية والسياسية للمرأة على جميع المستويات. ففيما يتعلق بالمرأة الفقيرة التي كانت حياتها تقتصر على منزلها وأسرتها وعملها، يؤدي انضمامها إلى منظمة إلى توسيع نطاق آفاقها فوراً. فعندما تشارك المرأة مشاركة نشطة في منظمة، أو عندما تتولى دوراً قيادياً، فإنها تكتسب ثقة بنفسها، ومهارات جديدة، ومعارف، وفهماً أفضل للعالم. وباستطاعة التنظيم أن يعالج الكثير من المعوقات التي يفرضها الفقر على المرأة الفقيرة؛ ويمكن أن يبدأ في مجابهة التكاليف والمخاطر المتعلقة بالعمل غير الرسمي. ويمكن أيضاً أن يساعد على الحد من ضعف المرأة الفقيرة وانعدام أمنها وتبعيتها، بما في ذلك انعدام معرفتها للعالم الخارجي وكيف يعمل.

والتنظيم يساعد أيضاً المرأة ذات الأصول القليلة على تجميع موارد، مما يؤدي إلى زيادة قدرتها الاقتصادية. وقد تساعد مجموعات الادخار والائتمان الفقراء العاملين في الحصول على خدمات التمويل المتناهي الصغر، وقد يتمكن المنتجون الذين لا يتوافر لديهم سوى رأس مال ضئيل من شراء مواد خام بسعر الجملة وذلك عن طريق تجميع مواردهم(40).

ومن الممكن تعزيز هذه المزايا بمزيد من الدعم. فالمرأة الفقيرة تحتاج إلى صوت نيابي في المؤسسات والعمليات التي تضع السياسات الاجتماعية والاقتصادية في اقتصاد عالمي، من أجل مواصلة تحسين ظروف معيشة وعمل الفقراء. والمفاوضات الدولية والإقليمية والوطنية بشأن اتفاقات التجارة الحرة، والأهداف الإنمائية للألفية، واستراتيجيات الحد من الفقر، من اللازم أن تشمل جميعها أصوات واهتمامات فقراء الحضر، وبخاصة العاملين في القطاع غير الرسمي، وأغلبيتهم من النساء. ويتطلب ضمان صوت يعبر عن نساء الحضر الفقيرات على أعلى المستويات أن تدعم الحكومة والمنظمات الدولية نمو منظماتهن وبناء قدرتهن على القيادة.

إمكانية الحصول على خدمات الصحة الإنجابية: ينبغي أن تكون أفضل كثيراً

إن إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية حاسمة الأهمية للمرأة على وجه الخصوص، وذلك بسبب وظائفها الإنجابية، ولإثقال كاهلها على نحو غير متناسب بمهمة تقديم الرعاية للمسنين والمرضى، ولأنها تحقق أكثر مما يحققه الرجل للتخفيف من وطأة الفقر على صعيد المجتمع المحلي(41). وتحسين إمكانية حصول المرأة على التعليم والعمالة يسهم في تمكينها بوجه عام، وقدرتها على ممارسة حقها في الحصول على خدمات الصحة، بما فيها خدمات الصحة الإنجابية، ويحسن بوجه عام فرصها في الحياة.

وهذه الخدمات والفرص يمكن أن تتوافر للمرأة في المناطق الحضرية بسهولة أكبر مما تتوافر في المناطق الريفية. ولكن بالنسبة للنساء الفقيرات، يمكن أن يلغي هذه المزايا الافتقار إلى الوقت والمال، وكذلك الافتقار إلى حرية اتخاذ القرارات المتعلقة بالأسرة المعيشية، أو حتى حرية التنقل في المدينة. وفي المناطق الحضرية، يمكن أن يؤدي توافر سياسات وبرامج شاملة للصحة، مصحوبة بتوجيه الخدمات والموارد توجيهاً أفضل، إلى حدوث تحسُّن سريع في صحة المرأة، وبخاصة صحتها الإنجابية.

والعلاقات بين الجنسين والفقر يحددان الطريقة التي يتعامل بها الأزواج وتتعامل بها الأسر مع مسألة السلوك الجنسي والإنجابي. فالمرأة الحضرية الفقيرة معرضة لمستويات من المخاطر المتعلقة بالصحة الإنجابية أعلى من المستويات التي يتعرض لها غيرها من نساء الحضر. واحتمالات حصولها أيضاً على خدمات جيدة هي احتمالات أقل بالمقارنة بنساء الحضر الأخريات. ومن الأرجح أن تواجه عنفاً بسبب جنسها في المنزل وفي الشوارع وأن تظل عرضة للممارسات التقليدية الضارة.

ومعدلات الخصوبة الإجمالية أقل في المناطق الحضرية منها في المناطق الريفية في مختلف أنحاء العالم(42). ولكن هذا لا يعني أن جميع نساء الحضر لديهن نفس إمكانية الحصول على خدمات رعاية الصحة الإنجابية، أو حتى أن باستطاعتهن أن يلبين جميعاً احتياجتهن إلى وسائل منع الحمل. والنساء الفقيرات داخل المدن تقل كثيراً احتمالات استخدامهن لوسائل منع الحمل عن احتمالات ذلك في حالة نظيراتهن الأيسر حالاً، وتكون معدلات الخصوبة لديهن أعلى منهن. وفي بعض الأوقات يشبه كثيراً وضعهن من حيث الصحة الإنجابية وضع نساء الريف(43) (انظر الشكل 4).


الشكل 4 – معدل الخصوبة الإجمالي لسكان المناطق الحضرية الفقيرة وغير الفقيرة وفي المناطق الريفية: بلدان أفريقية مختارة، 2003 – 2004

إنقر هنا لتكبير الرسم

المصدر: استناداً إلى بيانات مقدمة من: موئل الأمم المتحدة. المؤشرات الحضرية، المرحلة الثالثة.


وتتباين الحاجة غير الملباة إلى وسائل منع الحمل فيما بين النساء وفقاً للفقر النسبي، وهذا شيء يمكن التنبؤ به. فالمسوح التي تشمل آسيا وأمريكا اللاتينية وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء تبين عموماً ارتفاع مستويات الحاجة غير الملباة فيما بين سكان الريف عند مقارنتهم بسكان الحضر، مع كون المتحضرين الفقراء يحتلون مرتبة وسطى بين سكان الريف وسكان الحضر ككل(44). ففي جنوب شرق آسيا، مثلاً، تبلغ الحاجة غير الملباة المقدرة 23 في المائة فيما بين فقراء الحضر ، بالمقارنة بنسبة لا تتجاوز 16 في المائة فيما بين سكان الحضر غير الفقراء(45).

وعلى وجه الإجمال، قد يكون الفقر مؤشراً لأنماط الخصوبة أفضل من مؤشر الإقامة الريفية أو الإقامة الحضرية. وبالنسبة لواضعي السياسات المهتمين بمعدل النمو الحضري، سيكون من المهم بالتالي على وجه الخصوص أن ينظروا إلى التفاعلات بين السكان والفقر، وبدرجة متزايدة داخل البيئات الحضرية(46). وإيلاء الأولوية لتمكين المرأة، وزيادة إمكانية حصولها على التعليم والعمالة، وتوفير معلومات وخدمات جيدة في مجال الصحة الجنسية والإنجابية لكل من النساء والرجال يؤدي إلى توسيع نطاق اختياراتهم ويفضي إلى تكوين أسر أصغر حجماً وأوفر صحة. وهذا يساعد على تلبية احتياجات الأفراد وإعمال حقوقهم، مع تحسينه في الوقت نفسه آفاق النمو الاقتصادي ورفاه الإنسان.

العنف ضد المرأة

إن العنف ضد المرأة، بما يلحقه من أضرار جسدية ونفسية ومالية هائلة للمرأة وللمجتمع، هو سمة من سمات الحياة الحضرية، بصرف النظر عن الدخل أو الوضع التعليمي. فالعنف بمختلف أشكاله، بدءًا من الإرهاب وانتهاء بالاعتداء الجنسي، يقيد قدرة المرأة على التنقل في المدينة وحوله(47)، مما يقلل من حريتها في البحث عن عمل، والحصول على الخدمات الاجتماعية، وممارسة أنشطة في وقت الفراغ. والإيذاء الجسدي والجنسي هو أيضاً عامل من عوامل حالات الحمل غير المرغوبة، والإصابة بالأمراض التي تنتقل جنسياً (ومن بينها فيروس نقص المناعة البشرية)، ومضاعفات الحمل(48).


وتزيد احتمالات إبلاغ النساء اللائي يعشن في البيئات الحضرية عن تعرضهن في أي وقت من الأوقات للعنف عن احتمالات ذلك في حالة نظيراتهن الريفيات. ويُعزى جانب من ذلك إلى انهيار الأخلاقيات الثقافية التي تحكم العلاقات بين الجنسين .


وتزيد احتمالات إبلاغ النساء اللائي يعشن في البيئات الحضرية عن تعرضهن في أي وقت من الأوقات للعنف عن احتمالات ذلك في حالة نظيراتهن الريفيات(49). ومن الممكن أن يُعزى جانب من ذلك ببساطة إلى توافر إمكانيات أفضل في المناطق الحضرية لاستنكار العنف. إلا أن النساء قد يكن، في حقيقة الأمر، عرضة بدرجة أكبر لخطر العنف الموجه ضده المرأة في المناطق الحضرية، وذلك بسبب انهيار الأخلاقيات الثقافية التي تحكم العلاقات بين الجنسين وانخفاض احتمال تدخل الجيران. فالفقر، والانتقال إلى بيئة جديدة (في حالة المهاجرين داخلياً)، والبطالة، وعدم كفاية الأجور، والاستبعاد الاجتماعي، والعنصرية، يمكن أن تسفر عن إحساس بالإحباط فيما بين الرجال وأن تسفر عن ضعف بين النساء. والأشد حرماناً هم الذين من الأرجح أن يتأثروا(50). وأطفال الشوارع والمشتغلات بالجنس يكونون ضعافاً على وجه الخصوص(51).

ويمكن أيضاً أن تؤدي سرعة حدوث تحول في الأعراف بشأن أدوار الذكور وأدوار الإناث إلى حدوث زيادة في العنف العائلي. فقد تبين من بحوث أجريت في الفلبين أن الفقر والإقامة في الحضر يرتبطان بارتفاع احتمال تعرض المرأة للعنف من جانب شريك حياتها الحميم(52). ووجدت دراسة للنساء الحضريات في موشي، بجمهورية تنزانيا المتحدة، أن 21.2 في المائة من النساء قد تعرضن لحالة عنف من جانب شريك حياة حميم في السنة السابقة على الدراسة، وأن أكثر من الربع قد تعرضن لعنف من هذا القبيل في وقت ما من حياتهن(53).

الوفيات النفاسية ووفيات الرضع

مازالت الوفيات النفاسية مرتفعة ارتفاعاً مذهلاً، حيث تبلغ حوالي 000 529 حالة سنوياً، يحدث أكثر من 99 في المائة منها في البلدان النامية، وقدر كبير منها من السهل الحيلولة دون حدوثه(54). فأربع من كل خمس حالات وفاة هي نتيجة مباشرة لمضاعفات التوليد(55)، ومن الممكن تجنب معظمها عن طريق الولادة في ظل وجود مشرف ماهر وعن طريق الحصول على خدمات التوليد الخاصة بالحالات الطارئة.

وإشراف أشخاص مهرة وإمكانية الحصول على رعاية التوليد الخاصة بالحالات الطارئة يمكن أن يفسر سبب انخفاض معدل الوفيات النفاسية بوجه عام في المناطق الحضرية، حيث تزيد بمقدار ثلاثة أمثال احتمالات أن تضع النساء تحت إشراف أخصائيين صحيين مهرة عن احتمالات حدوث ذلك في حالة النساء اللائي يعشن في المناطق الريفية(56). إلا أن نساء الحضر الفقيرات تقل عن ذلك احتمالات أن يضعن تحت إشراف أخصائيين مهرة(57). فعلى سبيل المثال، تضع نسبة تتراوح من 10 إلى 20 في المائة فقط من النساء تحت إشراف أخصائيين صحيين مهرة في المناطق العشوائية الفقيرة في كينيا ومالي ورواندا وأوغندا، بالمقارنة بنسبة تتراوح من 68 إلى 86 في المائة في المناطق الحضرية غير الفقيرة(58).

وثمة عدد من الأسباب التي تجعل نساء الحضر الفقيرات لا يلتمسن الحصول على رعاية نفاسية. ومن بين هذه الأسباب الفقر والمطالب الأكثر إلحاحاً المتعلقة بالنفقات الأخرى للأسرة المعيشية، والمطالب الأخرى على وقت المرأة بالنظر إلى مسؤولياتها الأخرى الكثيرة، وعدم وجود بنية تحتية داعمة من قبيل وسائل الانتقال ورعاية الطفل(59).

والحرمان من المأوى يؤدي إلى زيادة معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة. ففي إثيوبيا، يبلغ معدل وفيات الأطفال في مساكن المناطق العشوائية الفقيرة (180 بين كل 000 1 مولود حي) ما يقرب من ضعف نظيره في المساكن غير الموجودة في مناطق عشوائية فقيرة (95 حالة). وتوجد فوارق مماثلة في غينيا ونيجيريا ورواندا وجمهورية تنزانيا المتحدة. ويتضح أيضاً في بلدان من قبيل الفلبين وأوزبكستان، اللتين توجد فيهما مستويات لوفيات الأطفال أقل كثيراً، وجود علاقة بين الحرمان من المأوى وبقاء الطفل على قيد الحياة.

وعلى الرغم من أن الأطفال الفقراء الذين يولدون في المدن يكونون أقرب إلى المستشفيات والعيادات، وأن آباءهم وأمهاتهم يكونون عموماً أكثر استنارة، فإنهم يموتون رغم ذلك بمعدلات مضاهية لمعدلات وفيات الأطفال الريفيين(60). فالاكتظاظ والأوضاع المعيشية غير الصحية، وعدم توافر مياه كافية وصرف صحي ملائم، هي أمور توفر مرتعاً خصباً لأمراض الجهاز التنفسي والأمراض المعوية وتؤدي إلى زيادة معدلات الوفيات فيما بين أطفال الحضر الذين يعانون من سوء التغذية(61).

9

الصحة الإنجابية في مناطق ماهاراشترا العشوائية الفقيرة

يقدر عدد سكان المناطق العشوائية الفقيرة في الهند بما يبلغ 40.3 مليوناً في إحصاء عام 2001 السكاني، أي حوال 14.2 في المائة من مجموع سكان الحضر. ويجري تنفيذ مشروع لصندوق الأمم المتحدة للسكان في ولاية ماهاراشترا في خمس بلديات شهدت نمواً سريعاً في أعداد سكان المناطق الحضرية العشوائية الفقيرة.

ولقد نجح المشروع في أن يحسن في المناطق العشوائية الفقيرة النائية والتي يتعذر الوصول إليها مستوى مراكز رعاية التوليد الخاصة بالحالات الطارئة لكي تقدم تلك المراكز خدمات شاملة. ويعمل المشروع أيضاً مع الجماعات النسائية على تعزيز معارف النساء وقدراتهن في مجال الصحة الإنجابية فضلاً عن الآليات المؤسسية والمجتمعية للتصدي للعنف ضد المرأة.

ويتيح المشروع أيضاً أماكن للمراهقين لكي يناقشوا فيها قضايا صحتهم الجنسية والإنجابية في بيئة مأمونة ومُتقبِّلة؛ ويعمل على تحسين إمكانيات الحصول على معلومات وخدمات الصحة الإنجابية، ويتيح الفرصة للمراهقين لبناء مهاراتهم الحياتية.

وعلاوة على ذلك، أنشأ المشروع مستودعات مجتمعية طوعية لوسائل منع الحمل غير العيادية، وتتمثل قيمة هذا النهج في أنه يربط ما بين المجتمعات والمؤسسات الصحية، مما يؤدي إلى زيادة إمكانية الحصول على الخدمات المطلوبة

وفي المناطق الريفية بكينيا، يبلغ عدد الرضع أو الأطفال دون سن الخامسة الذين يموتون بين كل 000 1 طفل يولدون أحياءً ما يقرب من ضعف العدد المقابل في نيروبي، العاصمة. إلا أن معدلات الوفيات أعلى كثيراً في المستوطنات غير الرسمية الموجودة في العاصمة، حيث يعيش حوالي نصف سكان نيروبي. ففي كبيرة، وهي واحدة من أكبر المناطق العشوائية الفقيرة في أفريقيا، يموت طفل واحد تقريباً بين كل خمسة أطفال قبل أن يبلغ عامه الخامس. وتبين أيضاً من مسوح أجريت في مدن أخرى كثيرة أن معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة فيها تتراوح من 100 إلى 250 بين كل 000 1 طفل يولدون أحياءً في مستوطنات بعينها.

فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز في سياق حضري: مخاطر جديدة، وفرص جديدة

تزيد مخاطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز و انتشاره في البيئات الحضرية، ولكن احتمالات الحد من الوباء على المدى الأطول تبدو أفضل هناك. والوضع قاتم حالياً. فالمهاجرون من الريف إلى الحضر يتركون وراءهم ليس فحسب شركاء حياتهم وأسرهم بل كثيراً ما يتركون أيضاً تقييدات عرفية للسلوك الجنسي. فالاعتماد النقدي، المقرون بالفقر والتمييز بين الجنسين، قد يؤدي إلى زيادة ممارسة الجنس كصفقة؛ ويؤدي في الوقت ذاته إلى الحد من فرص التفاوض على ممارسة الجنس المأمون، خصوصاً بالنسبة للنساء والفتيات ولكن أيضاً بالنسبة للشبان والبنين. ومعدلات تعاطي المخدرات بواسطة الحقن تكون أعلى عادة في البيئات الحضرية. والإصابة بالأمراض التي تنتقل جنسياً وبالسل، وهو ما يؤدي إلى الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية ونقله، أكثر شيوعاً أيضاً في المناطق الحضرية.

ويهاجر بعض سكان الريف المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية إلى المدن بحثاً عن علاج ورعاية أفضل، ويشمل ذلك الأدوية المضادة للفيروسات الرجعية (مضادات الريتروفيروسات). ونتيجة لذلك، فإن انتشار الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أعلى عموماً بين سكان الحضر مما هو بين سكان الريف في أفريقيا جنوب الصحراء، التي تشكل محور وباء الإيدز(62). وبوتسوانا وجنوب أفريقيا كلتاهما لديهما مستوى تحضر مرتفع ولديهما أيضاً مستوى مرتفع للغاية لانتشار فيروس نقص المناعة البشرية.

ويرتبط الفقر الحضري بانتقال فيروس نقص المناعة البشرية ويقلل من احتمال الحصول على علاج. فأطفال الشوارع، والأيتام، والمشتغلات بالجنس، والنساء الفقيرات في المناطق الحضرية هم عرضة على وجه الخصوص للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. ومن الأرجح أن تصبح نساء الحضر الفقيرات ضحايا العنف الجنسي أو للاتجار بالبشر، مما يؤدي إلى زيادة المخاطر بالنسبة لهن؛ وعلاوة على ذلك، تقل احتمالات معرفتهن كيفية حماية أنفسهن(63). والنساء المعرضات للعنف لا يمكن أن يتفاوضن على ممارسة الجنس المأمون.

ومع ذلك توجد بعض الأنباء الجيدة. فالقرائن التي تكشفت مؤخراً تدل على حدوث تراجع في انتشار الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في المناطق الحضرية في بعض البلدان تشير إلى أن التحضر ربما ينطوى على إمكانية الحد من الوباء. فالرفالات (العوازل الواقية) – وهي أساسية للوقاية من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية – والمعلومات عن طرق انتقال الفيروس قد يكون من الأيسر توافرها في المناطق الحضرية. وقد تكون أيضاً وصمة العار ويكون التمييز أقل في المناطق الحضرية، بسبب التعليم الأفضل ومخالطة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز مخالطة أكبر.

التناقضات الاجتماعية في المدن المتنامية: الحوار والخلاف

تزايد سرعة التغير الثقافي

منذ خمسينات القرن العشرين كان التحضر السريع عاملاً ساعد على حدوث تغير ثقافي. فمع مضي العولمة قدماً، يترك التحول الحضري تأثيراً هائلاً على الأفكار والقيم والمعتقدات. وهذه التحولات لم تكن موحدة أو بلا جوانب سيئة مثلما تنبأ علماء الاجتماع. فاتساع الفجوات بين الفئات الاجتماعية يجعل انعدام المساواة أكثر وضوحاً. وفي هذا المناخ، يمكن للمدن الكبيرة أن يتولد عنها إبداع وتضامن، ولكنها يمكن أيضاً أن تجعل الصراعات أكثر حدة (64).

والمدن التي تنمو بسرعة، وبخاصة المدن الكبيرة، تضم أجيالاً مختلفة من المهاجرين من الريف، كل منهم له خلفيات اجتماعية وثقافية متباينة. ومن ثم تعرِّض الحياة الحضرية الوافدين الجدد لتشكيلة من المحفزات الثقافية وتقدم لهم خيارات جديدة بشأن مجموعة متنوعة من القضايا، تبدأ من الطريقة التي تنظم بها الأسر نفسها وتنتهي بما تفعله الأسر في وقت فراغها. وبهذا المعنى، يتيح التحضر فرصاً لإثراء ثقافي واسع النطاق ويشكل قوة محركة أساسية للتحديث. وعن طريق تفاعل المتحضرين الجدد مع المناطق الريفية، فإنه يعجل أيضاً بالتغير الاجتماعي في مناطق مختلفة.

وفي الوقت ذاته، قد يفقد المتحضرون احتكاكهم بالأعراف والقيم التقليدية. وقد يكتسبون مطامح جديدة، ولكنهم لا يكتسبون دائماً سبل تحقيق تلك المطامح. وهذا يؤدي بدوره إلى إحساس بالاجتثاث والتهميش، مصحوب بأزمات الهوية، ومشاعر الإحباط، والسلوك العدواني. وكثيرون في البلدان النامية يربطون أيضاً بين عمليات التحديث والعولمة وفرض قيم غربية على ثقافتهم ومن ثم يشعرون بالاستياء من تلك القيم(65).

التحضر والصحوة الدينية

إن صحوة التمسك الديني بأشكاله المختلفة هي أحد أبرز التحولات الثقافية المصاحبة للتحضر. وقد كان المتوقع من التحضر السريع أن يعني انتصار التفكير العقلاني، والقيم العلمانية، وإزالة الحيرة والغموض من العالم، وكذلك إنزال الدين إلى مرتبة ثانوية. ولكن بدلاً من ذلك، حدث انبعاث للاهتمام الديني في بلدان كثيرة.

ونمو الحركات الدينية الجديدة يمثل أساساً ظاهرة حضرية(66)، ومن ذلك مثلاً الإسلام الراديكالي في المنطقة العربية، والمسيحية السبعية في أمريكا اللاتينية وبعض أجزاء من أفريقيا، ومذهب الشيفاجي في بعض أجزاء من الهند. وفي الصين، حيث تنمو المدن بوتيرة بالغة السرعة، تكتسب الحركات الدينية أتباعاً جدداً بسرعة.

والتحضر المتزايد، المقرون بتنمية اقتصادية بطيئة وبالعولمة، قد ساعد على زيادة التنوع الديني كجزء من تكاثر الثقافات الفرعية في المدن. ويمكن اعتبار الحركات الدينية الجديدة تكييفات للدين حسب الظروف المستجدة، بدلاً من اعتبارها إحياءات لتراث.

وقد ركزت البحوث عادة على الاستجابات الدينية المتطرفة – التي اكتسبت في حقيقة الأمر أتباعاً عديدين – ومن ثم انبثق الاتجاه إلى تجميعها كلها تحت مسمى "الأصولية". إلا أن الإحياء الديني له أشكال متباينة وتأثيرات مختلفة، تتراوح من فلسفة "عصر جديد" منعزلة إلى الانغماس في العملية السياسية. وعلى امتداد هذه المتوالية، توجد مظاهر كثيرة للتمسك الديني. وهذه المظاهر قد غيرت بسرعة، معاً، العوامل الدينامية السياسية والهويات الاجتماعية للمواطنين العالميين الموجودين حالياً(67).

العنف وانعدام الأمن في المدن

يتصاعد العنف وانعدام الأمن بين الأشخاص، خاصة في المناطق الحضرية في البلدان الفقيرة. وهذا أمر تترتب عليه تكاليف فادحة بالنسبة للأفراد والمجتمعات بل والدول، ويصبح بسرعة قضية رئيسية في مجال الأمن والصحة العامة. والعنف يكون عادة أكبر في المدن الكبيرة والتي تنمو بسرعة.

ولقد كانت الظروف المعيشية اليومية لفقراء الحضر مرتبطة ارتباطاً قوياً بالاستبعاد الاجتماعي وانعدام المساواة، اللذين يكونان عادة أكثر وضوحاً وأكثر مدعاة للاستياء في المدن(68). فمن الممكن أن يؤديا إلى زيادة إمكانية نشوء صراعات أو جرائم أو عنف. وقصور مؤسسات الدولة، وبخاصة نظام الشرطة والعدالة، يؤثر على الفقراء أشد تأثير. والمرأة هي الضحية الرئيسية، وبخاصة للعنف الجنسي والعائلي.

وتزايد العنف يرتبط أيضاً بالعولمة والتكيف الهيكلي، اللذين أديا إلى تفاقم انعدام المساواة بينما قللا في الوقت ذاته من قدرة الدولة على اتخاذ تدابير علاجية. وقد استفادت المنظمات الإجرامية من الأسواق المفتوحة لتقيم اقتصاداً إجرامياً عالمياً، يشجع أشكالاً جديدة للاحتيال الإلكتروني والاتجار الدولي بالبشر(69). ولعولمة صناعة المخدرات غير المشروعة، على وجه الخصوص، تأثير مضاعف على العنف والإجرام.

والعنف يتسبب في طائفة واسعة من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على التنظيم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وله تأثير هائل على التنمية: فعلى سبيل المثال، لو كان معدل الجريمة في منطقة أمريكا اللاتينية مماثلاً للمعدل الموجود في بقية العالم لكان من المحتمل أن يكون نصيب الفرد فيها من الناتج المحلي الإجمالي "أعلى بنسبة مذهلة قدرها 25 في المائة"(70).

ويتأثر أيضاً تنظيم الحيز الحضري بالجريمة والعنف. فالطبقات الوسطى والعليا الميسورة الحال تحصن نفسها وتدفع ثمناً لأمنها الخاص. ولكن خصخصة الأمن نفسها يمكن أن تكون مصدراً لزيادة العنف وعدم احترام حقوق الإنسان(71). وتأثيرات الجريمة والسطو والاغتصاب والاعتداء على المجتمعات الفقيرة أشد كثيراً. وربما كان الأكثر إضراراً هو تآكل رأس المال الاجتماعي – وهو الثقة المتبادلة الطويلة الأمد بين الجيران وأفراد المجتمع المحلي – وهي ثقة تشكل في حد ذاتها حماية فعالة من الجريمة(72).

ومن المهم على وجه الخصوص الإشارة إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 24 عاماً يرتكبون أكبر عدد من أعمال العنف وهم أيضاً ضحايا العنف الرئيسيين. و"طفرة الشباب" المقبلة يمكن أن تكون إيذاناً بحدوث طفرة في العنف ما لم تُتخذ الآن تدابير وقائية. ومع أن المرأة عرضة على وجه الخصوص للعنف والتحرش الجنسيين، من الأرجح أن يصبح الرجال ضحايا جرائم العنف (الشكل 5). والشبان هم مرتكبو جرائم القتل الرئيسيون وهم ضحايا تلك الجرائم الرئيسيون.

وكما هو الحال فيما يتعلق بأوضاع كثيرة يصفها هذا التقرير، تستدعي معالجة العنف الحضري معالجة فعالة أن يكون منظور تلك المعالجة أطول أجلاً. فالأسباب الجذرية للجريمة لا يمكن القضاء عليها بين عشية وضحاها. ويجب على واضعي السياسات أن يتصدوا للعنف ليس فحسب باعتباره قضية تندرج في إطار علم الأمراض الاجتماعية، بل أيضاً باعتباره قيداً أساسياً على سبل عيش الفقراء(73). ويستدعي تغيير الاتجاه نحو تزايد العنف تصديات فعالة للفقر ولانعدام المساواة وللاستبعاد الاجتماعي.

التغير الديمغرافي في المدن المتنامية

شباب في مدن شابة(74)

تمثل كثرة أعداد الشباب الطابع الديمغرافي للمدن في البلدان النامية: وهذه الكثرة كبيرة على وجه الخصوص بين سكان المناطق العشوائية الفقيرة. وسيكون النجاح أو الفشل الفرديان للشباب وهم يركبون موجة النمو الحضري حاسمين بالنسبة للتنمية في المستقبل بالنظر إلى أن هذه التغيرات الديمغرافية الجذرية، المقرونة باستمرار الفقر والبطالة، هي مصدر للصراع في المدن في كل البلدان النامية. ولكن العمليات السياسية نادراً ما تعبِّر عن أولويات الشباب، وبخاصة مئات الملايين من أطفال الحضر الذين يعيشون في فقر وفي أوضاع تهدد صحتهم وسلامتهم وتعليمهم وآفاقهم في الحياة.

والشباب يتسمون عادة بالحيوية، وسعة الحيلة، والاستجابة للتغير: ولكن إذا لم يلقوا رعاية، ولم يتلقوا تعليماً مدرسياً، ولم يحصلوا على توجيه، وكانوا عاطلين عن العمل، فإن طاقتهم يمكن أن تتجه اتجاهات مدمرة، وكثيراً ما تكون مدمرة لأنفسهم. والاستثمار في أطفال وشباب الحضر، ومساعدتهم على أن يندمجوا تماماً في المجتمع، هما مسألتان تتعلقان بحقوق الإنسان والعدل الاجتماعي. وهما أيضاً السبيل إلى إطلاق فوائد اقتصادية محتملة وكفالة الأمن الحضري.

ويقدر أن ما يصل إلى 60 في المائة من جميع سكان الحضر سيكونون دون سن 18 عاماً بحلول سنة 2030 (75). وما لم تتخذ تدابير عاجلة من حيث الخدمات الأساسية، والعمالة، والإسكان، فإن هؤلاء الشباب بأعدادهم الكبيرة سينمون في ظل الفقر. فعدد الأطفال الذين يولدون في مناطق عشوائية فقيرة في العالم النامي يزيد بسرعة. ويبين الشكل 6 أن المناطق العشوائية الفقيرة توجد فيها عموماً نسبة من الشباب أعلى كثيراً. وقد سبق وصف المشاكل الصحية المرتبطة بهذه البيئات. الشكل 6 – فئات الشباب كنسبة مئوية من الذكور والإناث، حسب الإقامة في منطقة فقيرة أوغير فقيرة، في بلدان مختارة البلد والجنس غير فقيرة فقيرة ذكور إناث بنين الكاميرون كينيا البرازيل باكستان المصدر: موئل الأمم المتحدة. 2007. قاعدة بيانات المؤشرات الحضرية.

ومن دواعي القلق على وجه الخصوص انتشار أطفال الشوارع والأيتام الذين لا مأوى لهم. ففي القرى، تتبنى عادة الأسرة الممتدة الأطفال اليتامى أو الذين لا مأوى لهم، أو تجعلهم يعيشون في حضانتها، أو يسعى لذلك المجتمع المحلي. ويفتقر أطفال وشباب الحضر الذين فقدوا والديهم بسبب الإيدز إلى الأسر الممتدة التي يمكن أن تضمهم إليها أو تراقبهم. وهم عرضة لاختطافهم والاتجار بهم لأغراض جنسية. ومعدلات الإصابة بالأمراض التي تنتقل عن طريق الجنس، ومن بينها فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وأخطار التورط في الجريمة أو الوقوع ضحية لها، مرتفعة فيما بين هذه الفئات المهمشة.


الشكل 5 – المعدلات التقديرية لجرائم القتل والانتحار، حسب العمر، في العالم، عام 2000

إنقر هنا لتكبير الرسم

المصدر: منظمة الصحة العالمية. 2002. التقرير العالمي بشأن العنف والصحة. جنيف: منظمة الصحة العالمية


حاجات غير ملباة: التعليم والصحة وفرص العمل للشباب

يحتاج الشباب إلى معرفة القراءة والكتابة، وحساب الأعداد، ومستوى كاف من التعليم المدرسي النظامي لكي يتصرفوا في بيئات حضرية معقدة ويستفيدوا استفادة كاملة من الفرص الحضرية. وقد تكون معدلات القيد في المدارس أعلى في المدن لأن المدارس أقرب إلى المكان الذي يعيش فيه الناس، ولكن، مرة أخرى، تكون الفرص المتاحة للفقراء، وبخاصة للبنات الفقيرات، أقل. ويمثل الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الثانوية إشكالية على وجه الخصوص بالنظر إلى أن شباباً كثيرين يتعين عليهم في هذا العمر أن يبدأوا العمل للمساعدة على إعالة أسرهم. وكثيراً ما يجري إخراج البنات من المدرسة لكي يساعدن في الأعمال المنزلية أو لكي يتزوجن، وهي ممارسة مازالت شائعة في مدن كثيرة بأفريقيا جنوب الصحراء. وقد ترفض المدارس تسجيل أطفال العشوائيات الفقيرة لأن مستوطناتهم ليس لها وضع رسمي. ولا تملك أسر كثيرة أن تتحمل التكاليف غير المباشرة للتعليم "المجاني" من قبيل الأزياء والكتب المدرسية، واللوازم الأخرى. وأخيراً، تعتبر نوعية التعليم في مدارس العشوائيات الفقيرة، مع وجود بضعة استثناءات، أقل كثيراً، مما يلغي الميزة الحضرية.

وليس مما يدعو إلى الدهشة أن الأخطار المرتبطة بالنظام المدرسي أكبر كثيراً في حالة البنات. فعوامل من قبيل مخاطر الانتقال إلى المدرسة ومنها، وعدم ملاءمة المراحيض، والاكتظاظ المفرط، والتحرش الجنسي هي أمور تردع الآباء والأمهات عن إلحاق بناتهم بالمدارس. وقد جرى أيضاً توثيق حالات إيذاء جنسي من جانب المدرسين والتلاميذ الآخرين في عديد من البلدان، وهي حالات تؤدي إلى زيادة معدلات انقطاع البنات عن الدراسة. وهذه العقبات تتآلف مع الممارسات الثقافية والاجتماعية التي تقف في طريق تعليم البنات وتحبذ زواج الأطفال أو الزواج المبكر. وفي بعض بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، من قبيل بنن وكوت ديفوار وغينيا ومالي، نجد أن النصف فقط من البنات في سن المدرسة مسجلات في المدارس الحضرية. وفي معظم البلدان الأخرى، نجد أن نسبة تتراوح من 20 إلى 30 في المائة من البنات اللائي يعشن في مناطق عشوائية فقيرة لسن ملتحقات بمدارس. ووجود سياسات وبرامج تعليمية موجهة جغرافياً يهم، بقدر ما يهم عدم الحرمان من المأوى، في زيادة مستويات قيد البنات في المدارس. وتلزم نظم تعليمية غير رسمية ومرنة لاستيعاب تلك الحالات.


الشكل 6 – فئات الشباب كنسبة مئوية من الذكور والإناث، حسب الإقامة في منطقة فقيرة أوغير فقيرة، في بلدان مختارة

إنقر هنا لتكبير الرسم

المصدر: موئل الأمم المتحدة. 2007. قاعدة بيانات المؤشرات الحضرية.


والمراهَقة هي الفترة التي يبدأ فيها معظم الشباب نشاطهم الجنسي. ومن الممكن أن يؤدي عدم إمكانية الحصول على معلومات وخدمات بشأن الصحة الجنسية والصحة الإنجابية إلى حالات حمل غير مرغوبة وإلى حالات إجهاض غير مأمونة ومؤذية. وكون الشباب، حتى في المناطق الحضرية، لا تتوافر لديهم معلومات أو خدمات كافية عن الصحة الجنسية والإنجابية هو مدعاة أكبر للقلق في عصر جائحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز. فحوالي نصف جميع الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية يحدث بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 24 عاماً، وخاصة فيما بين الفتيات(76).

والبطالة والعمالة أقل مما يجب هما من دواعي القلق الرئيسية بالنسبة للشباب في الحضر الذين يحاولون أن يتكفلوا بأنفسهم وبأسرهم الممتدة في المدن. والشباب الذين يعيشون في فقر في الحضر من الأرجح أن يتزوجوا، وينجبوا طفلاً واحداً على الأقل، ويكونوا أرباب أسر المعيشية، ويحتاجوا إلى مزيد من الموارد المالية، في سن مبكرة(77). ومن الأرجح ألا تجد الشابات غير الحاصلات على تعليم سوى عمل مؤقت وغير رسمي.

10

حماية الصحة، والحد من الفقر

يدعم مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في السنغال مشروعاً يجري تنفيذه من أجل المراهقات، في مشاركة مع مؤسسة الأمم المتحدة، يجمع بين تقديم خدمات الصحة الإنجابية وتوفير سبل لكسب الرزق وأنشطة لتعليم المهارات الحياتية في إطار استراتيجيات الحد من الفقر. ويدعم الصندوق أيضاً خدمات الاختبار والمشورة الطوعيين بشأن فيروس نقص المناعة البشرية التي تقدمها مراكز تقديم المشورة للشباب في المناطق الحضرية حيث يتعرض الشباب لخطر أكبر نتيجة لممارستهم النشاط الجنسي قبل الأوان، وحالات الحمل غير المرغوبة، والأمراض التي تنتقل جنسياً. وتستهدف أنشطة الوقاية فئات سكانية من قبيل المهاجرين وسائقي الشاحنات الذين قد يعرضون الشباب للخطر.

وإحباط الشباب لعدم قدرتهم على العثور على عمل ملائم، أو عدم قدرتهم على إيجاد سبل رزق منتجة وكريمة لهم، يسهم في ظاهرة السلوك العنيف في الشوارع وفي المنزل. وقد تلجأ الشابات غير المتزوجات اللائي لا يوجد أمامهن مستقبل مالي مضمون إلى الزواج المبكر أو ممارسة البغاء لكي يتكفلن بأنفسهن وبأطفالهن، مما يزيد من مخاطر العنف الجنسي والتعرض للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.

والبرامج التي تقدم تدريباً وتوجيهاً بشأن المهارات الوظيفية وتؤدي إلى زيادة إمكانية الحصول على دعم رأسمالي ودعم لإقامة مشاريع متناهية الصغر يمكن أن تساعد الشباب على تحقيق إمكاناتهم الاقتصادية. وستكون قدرة المدن على استيعاب اليد العاملة من الشباب محدداً أساسياً لنجاح المدن وأهاليها مستقبلاً.

والحياة الحضرية تؤدي بدرجة كبيرة إلى زيادة تعرض الشباب للتكنولوجيات الجديدة، ووسائط الإعلام الجماهيرية، والثقافة العالمية. فالإنترنت، في معظم البلدان النامية، ظاهرة حضرية تماماً. ومن الممكن استخدامها على نحو أكثر فعالية في تدريب الشباب وربطهم بفرص العمل.

إشراك الشباب في القرارات التي تؤثر على حياتهم

إن أهمية إشراك الشباب في تحسين الأحياء التي يقطنونها يتزايد الاعتراف بها. فالشباب لهم الحق في أن يدلوا بدلوهم في الأمور التي تتعلق بهم. وهم أيضاً خبراء بشأن بيئاتهم، ويستطيعون أن يحددوا ليس فحسب المشاكل التي تواجههم بل أيضاً حلولها الممكنة. ولقد ضاعف الإنترنت مضاعفة كبيرة الاتصال فيما بين الشباب؛ ومن الممكن أن تصبح أداة هامة في توعيتهم وتشجيع مشاركتهم الفعالة في أجهزة حكم المدن.

ولقد أثمر الاعتراف بالحاجة إلى إشراك الشباب في أجهزة حكم المدن مبادرات من قبيل حركة "المدن الصديقة للطفل" (وهي شبكة فضفاضة من أجهزة حكم المدن ملتزمة بإشراك الأطفال في عملية جعل المدن أماكن أفضل للأطفال) وبرنامج "النشأة في المدن" (الذي قدَّم الدعم للأطفال في الأحياء الحضرية المنخفضة الدخل في مختلف أنحاء العالم لتقييم بيئاتهم المحلية وللعمل مع المسؤولين المحليين على تحسينها)(78).

الشيخوخة والتحضر(79)

يتزايد عدد ونسبة المسنين في مختلف أنحاء العالم. والتحضر في البلدان النامية سيؤدي إلى تركيز نسبة متزايدة من المسنين في مناطق حضرية. وفي أفريقيا وآسيا، مازال المسنون يعيشون في الغالب في مناطق ريفية، ولكن من المتوقع أن ينعكس هذا الوضع قبل عام 2020 (80).

وبالنظر إلى محدودية إمكانية الحصول على الخدمات الاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر، وانخفاض التغطية بالضمان الاجتماعي في بلدان كثيرة، ستمثل هذه الزيادة في أعداد المسنين تحدياً لقدرة الحكومات على الصعيدين الوطني والمحلي. والمناطق الحضرية تتيح، من حيث المبدأ، ظروفاً أفضل: مرافق صحية أفضل، وخدمات للرعاية المنزلية، ومرافق ترويحية، فضلاً عن إمكانية حصول أكبر على المعلومات والتكنولوجيات الجديدة(81). والمناطق الحضرية مواتية أيضاً لتصاعد أعداد رابطات المسنين، وكذلك استحداث خدمات أهلية لدعم المرضى والضعفاء.

11

: إشراك الأطفال في أجهزة الحكم المحلي: مثال بارا مانسا، البرازيل(1)

في مدينة بارا مانسا، أُشرك أكثر من 000 6 طفل في مناقشات بشأن كيفية تحسين مدينتهم. وهم يشاركون في مجالس الأحياء حيث يتناقشون بشأن القضايا الملحة وينتخبون مندوبي المناطق الذين ينتخبون، بدورهم، أعضاء مجالس الأطفال. وباستطاعة جميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم من 9 سنوات إلى 15 سنة أن يشاركوا، ويسموا مرشحين، ويصوتوا في المجالس، ولكن أولئك الذين ينتظمون في المدارس هم وحدهم المؤهلون للانتخاب. وهذه المبادرات تحسِّن نوعية استجابات الأحياء لأولويات الأطفال وتتيح للأطفال ـ سواء المنتخبين منهم أو أولئك الذين يجتمعون لمناقشة شواغلهم ـ فرصة حقيقية للتدرب على مهارات المواطَنَة النشطة.

ولكن، للاستفادة من هذه المزايا النظرية، يحتاج المسنون إلى ضمان اقتصادي، ونُظم دعم اجتماعي قوية، وإمكانية استخدام سُبل نقل جيدة، وإمكانية الوصول دون عائق إلى الحيز الحضري مجان(82). وفي معظم مدن العالم النامي، يقوِّض الفقر والتقييدات العمرانية أو المؤسسية هذه المزايا المحتملة. وعلاوة على ذلك، كثيراً ما يكون المسنون غير مرئيين، بمعنى أن يكونوا "ضائعين" بين أولويات أخرى. ويؤدي التحضر عادة إلى تآكل الأعراف والقيم الاجتماعية الثقافية التقليدية والشبكات الاجتماعية وهياكل دعم الأسرة التي تحبذ دعم المجتمعات المحلية والأسر للمسنين.

ومن اللازم معالجة ثلاثة مجالات رئيسية هي: مساعدة المسنين على الحفاظ على استقلالهم الذاتي وحياتهم المستقلة أطول مدة ممكنة؛ وتوفير الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الاجتماعية لهم، بما في ذلك الرعاية الطويلة الأجل؛ وضمان مستويات أعلى من الأمن الاقتصادي عن طريق نُظم الحماية الاجتماعية لمن هم أكثر ضعفاً من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية.

ويجب إيلاء اهتمام خاص لحالة النساء اللائي تقل احتمالات حصولهن على إيرادات طيلة عمرهن أو عمالة كاملة الوقت واللائي يعشن عادة مدة أطول، ومن ثم يفقدن دعم أزواجهن. ومن الأرجح أن يكن قد عملن في القطاع غير الرسمي ومن ثم لا يكون من حقهن الحصول على معاشات تقاعدية وضمان اجتماعي ولا تكون قد تراكمت لديهن مدخرات. وعلاوة على ذلك، بالنظر إلى الافتقار إلى حماية الدولة، من المرجح أن يقع عبء الرعاية بأكمله على عاتق النساء والفتيات.

ومن الضروري تحسين وتحديث البيانات اللازمة لتحليل هذه القضايا ورصدها، بما يشمل وضع خرائط لحالة المسنين وعزلهم الاجتماعي والمكاني(83). وتوخياً لزيادة ثمار التحضر الإنمائي بالنسبة للمسنين إلى أقصى حد ممكن مع الإقلال إلى أدنى حد ممكن من تأثيراته السلبية المحتملة، ستلزم نُهُج جديدة. ويقدم الإطار 10 مثالاً لحالة معالجة قضايا المسنين في آسيا.



12

: آسيا تتطلع إلى سكان مسنين، وتطرح أسئلة، وتتوصل إلى أجوبة(1)

بحلول سنة 2050، ستبلغ أعمار 24 في المائة من سكان الصين 65 عاماً فأكثر، بالمقارنة بنسبة قدرها 8 في المائة الآن؛ وستبلغ أعمار 7 في المائة من سكانها 80 سنة أو أكثر، بالمقارنة بنسبة قدرها 1 في المائة الآن. فالناس يعيشون مدة أطول وينجبون عدداً أقل من الأطفال حالياً، وذلك يرجع بدرجة كبيرة إلى أن التكنولوجيا تمكِّنهم من ذلك. ولكن لا توجد إجابة تكنولوجية سهلة للوصول المفاجئ لأعداد كبيرة من المسنين. فشيوخة السكان تحدث بسرعة في البلدان النامية؛ وسيلزم إبداع لمواجهة تحدياتها.

والشيوخة في آسيا يتزايد كونها ظاهرة حضرية. فتقليد تكفُّل الأولاد بوالديهم في شيخوختهم مازال موجوداً، ولكن كثيرين من الشباب قد تركوا الريف قاصدين المدن. ويتبعهم عدد متزايد من المسنين، بحثاً عن سبيل للعيش. وهم لا يجدونه دائماً: ففي الصين، تبني مدينة واي هاي منازل لنحو 000 10 من "المسنين المهجورين" الذين لا يوجد لديهم دعم أسري مباشر.

ويتطلب التكيف مع مستقبل تغلب عليه الشيخوخة إبداعاً تنظيمياً. وفي شيناي، مثلاً، حيث انخفض بالفعل معدل الخصوبة الإجمالي إلى دون مستوى الإحلال، تُغلق المدينة 10 عيادات للولادة، وتعيد تدريب الموظفين، وتعيد فتح تلك العيادات باعتبارها وحدات خاصة بطب الشيخوخة.

ويشكل أيضاً التغيير التنظيمي جزءًا من الاستجابة في شرق وجنوب شرق آسيا، حيث بلغت الشيوخة مرحلة أكثر تقدماً. وتعرض واي هاي نفسها كموقع لبرنامج نموذجي تمتد فيه ولاية المجلس الوطني لتنظيم الأسرة بحيث تشمل المسنين. وإعادة التنظيم الخلاقة هذه ستكون ضرورية استعداداً للتحدي الذي تمثله الشيوخة الحضرية.

تحسين الحكم الحضري وإشراك الفقراء: الشيء الصحيح الذي يجب عمله

ولقد أبرز هذا الفصل بعض إمكانيات المدن وحقائقها المتناقضة. وناقش، تحديداً، الكثير من المشاكل التي يواجهها فقراء الحضر الذين تتزايد أعدادهم بسرعة. ومن الممكن ملاحظة وجود فجوات كبيرة بين إمكانية حصول الفقراء من ناحية وحصول سكان الحضر الأفضل حالاً، من الناحية الأخرى، على ما يمكن أن تقدمه المدينة وذلك بالنسبة للمرأة، ووفيات الأطفال، والصحة الإنجابية، والتعليم، والدخل، والإسكان، والأمن. والاستنتاجات هي أن حق الفقراء في أن يعيشوا في المدينة ويحصلوا على فوائدها كثيراً ما يكون مقيداً تقييداً شديداً وأن المزايا التي ينعم بها فقراء الحضر بالمقارنة بسكان الريف ضئيلة بدرجة تدعو للدهشة في كثير من البلدان النامية.

وهذا أمر مخيِّب للآمال: فوفورات الحجم في الحضر وقربه ينبغي أن يكون معناهما هو أن تتاح لجميع سكان الحضر إمكانية الحصول على خدمات أفضل. وتمديد الخدمات إلى الأحياء الفقيرة ينطوي على تكاليف أقل كثيراً من تكاليف تقديم الخدمات لنفس الأعداد من السكان في مستوطنات ريفية نائية ومتفرقة(84). ومن ثم من المنطقي استنتاج أن قدراً كبيراً من التفاوت بين ما هو ممكن وما هو موجود في الواقع إنما يرجع إلى الإدارة الحضرية.

كيف يمكن تحسين هذه الأنماط؟ وما هو الذي يستلزمه ذلك؟ يشدد هذا التقرير على أن قبول حتمية النمو الحضري ومزاياه المحتملة هو منطلق حاسم الأهمية. ومن دواعي الأسف أن النُهج الحظرية مازالت سائدة في إدارة التوسع الحضري وتوسع المناطق العشوائية الفقيرة. فكثيرون من الساسة والمخططين يعتبرون تكوُّن العشوائيات أمراً مؤقتاً: وكلما قل التدخل، كلما كان ذلك أفضل(85).

وحض القادة على اتباع نهج أكثر إيجابية فيما يتعلق بالنمو الحضري وفيما يتعلق بسكان العشوائيات يستدعي القيام بأنشطة للدعوة بشأن فوائد الاستعداد بفعالية للنمو الحضري. وفي نهاية المطاف، من الجوهري وجود التزام سياسي بإيجاد حلول ممكنة عملياً؛ وهذه المسألة ستُناقش في الفصل التالي. ويحتاج كل من واضعي السياسات والمجتمع المدني إلى معلومات متينة بشأن من هم الفقراء، والطريقة التي تزيد بها أعدادهم، وأين يعيشون، وما هي احتياجاتهم، وما هي العقبات التي تحول دون حصولهم على ما يمكن أن تقدمه المدينة. ويبحث الفصل 6 هذا الجانب بمزيد من التفصيل.

وثمة استراتيجية بالغة الأهمية في الجهود الرامية إلى الحد من الفقر وإعمال حقوق الأفراد هي إشراك الناس في تشكيل السياسات والبرامج التي تؤثر في حياتهم. وقد لقيت فوائد مشاركتهم اعترافاً وتشجيعاً على نطاق واسع في الاستراتيجيات الوطنية للحد من الفقر وكذلك في النُهُج المتبعة على الصعيد المحلي. وعلى الرغم من أن إشراك هذه الأعداد الكبيرة والمتزايدة من السكان في عمليات التنمية قد يبدو ضرورة واضحة، مازالت التحيزات ضد الفقراء في مدن كثيرة تحول دون ذلك(86).

واستجابة للحقائق اليومية، قام فقراء الحضر أنفسهم بتكوين جماعات ورابطات واتحادات هائلة. وتكاتفت معاً منظمات فقراء الحضر، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، لتحديد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها فقراء الحضر؛ وإيجاد حلول عملية لهذه المشاكل؛ ومكافحة التهميش؛ وكفالة إمكانية الحصول على السلع والخدمات التي يحق لهم أن يحصلوا عليها. وقد حققت تلك المنظمات نجاحاً على جبهات شتى، من بينها: تحسين مستوى العشوائيات، وإعاقة عمليات النقل إلى أماكن أخرى وعمليات الطرد، وتوفير إسكان ميسور وبنية تحتية، وبناء القدرات من أجل ضمان سُبل رزق مستقرة لأفراد تلك المنظمات(87).

وتبين بضع حالات تصويرية ذلك. فمنظمة "اتحاد الأشخاص الذين لا مأوى لهم في جنوب أفريقيا" ومنظمة "حوار الناس بشأن الأرض والمأوى" يضمان معاً في عضويتهما أكثر من 000 80 أسرة معيشية. وتعمل هاتان المنظمتان، عن طريق الجماعات المجتمعية التابعة لها، على رسم خرائط محلية وجمع بيانات من أجل التخطيط؛ ووضع نظم للادخار والائتمان؛ وحيازة مساكن وأرض؛ وإدرار دخل؛ وتمكين الأفراد عن طريق التواصل الشبكي وتبادل المعلومات(88).

وفي زهاء 80 مدينة في مختلف أنحاء أفغانستان، تقدم جماعات أهلية، معظمها ترأسها نساء، التعليم والخدمات الصحية وخدمات تنظيم الأعمال حتى أثناء عهد حكم طالبان الذي كان يمثل تحدياً. ويعمل موئل الأمم المتحدة حالياً على توسيع نطاق هذه المبادرات الأهلية بحيث تصبح عملية تنمية وعملية إعادة إنشاء البنية التحتية(89). وفي الفلبين، تزعَّم اتحاد منظمات الأحياء (ZOTO) مسعى ناجحاً لتأمين حقوق الملكية والاستئجار وتحسين مستوى المجتمعات المحلية من خلال حكومة الفلبين، في منطقة من مانيلا كان من المقرر أن تجري فيها عملية تحويل للأراضي وتشريد لجموع من فقراء الحضر الذين يقيمون فيها. وقد أسفر هذا المسعى، إلى جانب مساع أخرى، عن إصدار قوانين جديدة تجعل عمليات الطرد القسرية مستحيلة تقريباً بدون استشارة المتضررين وتضمن النقل إلى أماكن تُقدَّم لها خدمات مناسبة(90).

وتؤثِّر منظمات كثيرة من منظمات فقراء الحضر في نهاية المطاف على سياسات وممارسات الحكومات. ففي بون (Pune)، بالهند، زودت الحكومة المحلية حوالي مليونين من السكان بمراحيض عامة. وكان ذلك نتيجة لمفهوم تولت الدور الريادي في الترويج له جمعية النهوض بمراكز موارد المنطقة بالاشتراك مع الاتحاد الوطني لسكان العشوائيات، Mahila Milan - وهي شبكة من جماعات ادخار وائتمان شكلتها النســاء(91). وفي تايلند، يترابط أكثر من 000 1 منظمة وجماعة أهلية في مشروع وطني يرمي إلى إدخال تحسينات بجهود محلية على البيئة الحضرية في المناطق الفقيرة(92). وفي عدة مدن برازيلية، نجح التخطيط والميزنة القائمان على التشارك في تخصيص حصة أكبر من ميزانية الاستثمارات البلدية للأولويات التي حددتها الأحياء والجماعات الأهلية(93).

وفي حالات أخرى، تحولت جماعات صغيرة إلى اتحادات وطنية كبيرة بل وإلى شبكات دولية(94). و"الحركة الدولية لساكني الأكواخ/العشوائيات الفقيرة"، التي قد تكون أكبر حركة دولية من هذا القبيل، ولجنة "هوايرو" (انظر الإطار 8) هما مثالان لفعالية المنظمات المترابطة في رفع درجة أولوية القضايا الهامة بالنسبة لفقراء الحضر(95). ولقد أثّرت ضغوطها على جدول الأعمال الدولي في مجالات من قبيل حقوق الإسكان، والحماية من عمليات الطرد، وحقوق المرأة، ومسؤوليات الحكومة والمجتمع المدني فيما يتعلق بمحنة فقراء الحضر(96).

وباتباع هذه الطرائق على مر السنين، أظهرت القدرة الإبداعية لدى منظمات فقراء الحضر وأظهر عملها النشط أن أولئك الفقراء قادرون على تولي المسؤولية عن احتياجاتهم ولديهم حافز يدفعهم إلى ذلك وأنهم قادرون على المطالبة بحقهم في أن يحيوا حياة كريمة وجيدة. وقد أوصت فرقة العمل المعنية بالمناطق العشوائية الفقيرة والتابعة لمشروع الأمم المتحدة للألفية بأن "تعترف الحكومات بمنظمات فقراء الحضر أينما وجدت وبأن تعمل باستراتيجياتها"(97). ومشاركة المجتمع المدني واتباع نهج موجه قطرياً هما مبدآن من بين المبادئ الأساسية للبنك الدولي فيما يتعلق بعملية استراتيجية الحد من الفقر(98).

وباستطاعة هذه المنظمات، عند تقديم دعم حكومي مناسب لها، أن يكون لها تأثير أكبر حتى من ذلك في التصدي للفقر المادي، وفي تسخير حقوق الفقراء كمواطنين وكسكان في المدن، وفي تسخير قدراتهم باعتبارهم عوامل تغيير نشطة. ولن يكون مآل الحكومات سوى أن تكسب من ذلك، بالنظر إلى أن إدراج منظمات فقراء الحضر في إدارة المدن يؤدي إلى زيادة فعاليتها. ويتحسِّن تحديد الاحتياجات والمطالب، بينما تتعزز الاستجابة والكفاءة في تقديم الخدمات الحضرية. وهذا التعاون يحسِّن أيضاً التعلم والفهم عن طريق الجمع ما بين الخبرة التقنية والمعرفة المحلية. فتمكين المجتمع المدني يعمِّق الديمقراطية(99).