|
إن النمو الحضري غير المسبوق الذي يحدث في البلدان النامية يعبر عن آمال ومطامح ملايين من المتحضرين الجدد. فالمدن تنطوي على إمكانات هائلة لتحسين حياة الناس، ولكن الإدارة الحضرية القاصرة، التي كثيراً ما تستند إلى تصورات ومعلومات غير دقيقة، يمكن أن تحيل الفرصة إلى كارثة.
وإدراكاً لهذه الفجوة فقد أوصى برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بأن: "تعمل الحكومات على زيادة قدرة وكفاءة سلطات المدن والبلديات على إدارة التنمية الحضرية وصون البيئة، وتلبية احتياجات جميع المواطنين، بمن فيهم المستقطنون في الحضر، إلى السلامة الشخصية والهياكل والخدمات الأساسية، وعلى القضاء على المشاكل الصحية والاجتماعية، ومن بينها مشاكل المخدرات والإجرام، والمشاكل الناشئة عن الاكتظاظ والكوارث، وتزويد السكان ببدائل للعيش في المناطق المعرضة للكوارث الطبيعية والكوارث التي هي من صنع الإنسان"(2). ويتناول هذا الفصل بعض هذه الشواغل، لاسيما من حيث تأثيرها على المرأة، في ضوء النمو الحضري المستقبلي المتوقع في البلدان النامية.
مآسي فقراء الحضر غير المرئية(3)
حتى عهد قريب كانت المستوطنات الريفية هي بؤرة الفقر والمعاناة البشرية. وأظهرت مقاييس الفقر جميعها، سواء استندت إلى الدخل أو الاستهلاك أو الإنفاق، أن الفقر الريفي أعمق وأوسع انتشاراً من الفقر في المدن(4). فالمراكز الحضرية تتيح على وجه الإجمال سبلاً أفضل للحصول على الخدمات الصحية والتعليم والاستفادة من البنية التحتية الأساسية والحصول على المعلومات والمعارف والفرص(5). وكان من السهل فهْم هذه الاستنتاجات بالنظر إلى حجم مخصصات الميزانية وتركيز الخدمات وغيرها من الفوائد غير الملموسة في المدن.
إلا أن الفقر يتزايد الآن في المناطق الحضرية بسرعة أكبر من السرعة التي يتزايد بها في المناطق الريفية ولكنه نال اهتماماً أقل بكثير. فالإحصاءات التجميعية تخفي أوجه انعدام مساواة غائرة وتموِّه تركيزات الفقر القاسي داخل المدن. وأغلبية التقييمات تقدر مدى الفقر الحضري وعمقه تقديراً أقل من الحقيقة(6).
فمئات الملايين يعيشون في حالة فقر في مدن دول منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل، ومن المؤكد أن أعدادهم ستتضخم في السنوات المقبلة. فأكثر من نصف سكان الحضر يعيشون تحت خط الفقر في أنغولا وأرمينيا وأذربيجان وبوليفيا وتشاد وكولومبيا وجورجيا وغواتيمالا وهايتي ومدغشقر وملاوي وموزامبيق والنيجر وسيراليون وزامبيا. وتوجد بلدان أخرى كثيرة تعيش فيها نسبة تتراوح من 40 إلى 50 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ومن بين تلك البلدان بوروندي والسلفادور وغامبيا وكينيا والجمهورية القيرغيزية ومولدوفا وبيرو وزمبابوي. وستنضم دول أخرى كثيرة إلى هذه القائمة إذا روعيت في خطوط الفقر فيها التكاليف الفعلية للضروريات غير الغذائية في المناطق الحضرية(7).
وكثيراً ما يبدد سوء الإدارة الحضرية المزايا الحضرية والإمكانات الحضرية فيما يتعلق بالحد من الفقر. ومع أن الفقر الحضري يتزايد بسرعة أكبر من السرعة التي يتزايد بها الفقر في المناطق الريفية، إلا أن الوكالات الإنمائية لم تبدأ إلا مؤخراً في تقدير حاجتها إلى القيام بتدخلات جديدة للتصدي لجذور الفقر.
|