|
تحسين الحكم الحضري وإشراك الفقراء: الشيء الصحيح الذي يجب عمله
ولقد أبرز هذا الفصل بعض إمكانيات المدن وحقائقها المتناقضة. وناقش، تحديداً، الكثير من المشاكل التي يواجهها فقراء الحضر الذين تتزايد أعدادهم بسرعة. ومن الممكن ملاحظة وجود فجوات كبيرة بين إمكانية حصول الفقراء من ناحية وحصول سكان الحضر الأفضل حالاً، من الناحية الأخرى، على ما يمكن أن تقدمه المدينة وذلك بالنسبة للمرأة، ووفيات الأطفال، والصحة الإنجابية، والتعليم، والدخل، والإسكان، والأمن. والاستنتاجات هي أن حق الفقراء في أن يعيشوا في المدينة ويحصلوا على فوائدها كثيراً ما يكون مقيداً تقييداً شديداً وأن المزايا التي ينعم بها فقراء الحضر بالمقارنة بسكان الريف ضئيلة بدرجة تدعو للدهشة في كثير من البلدان النامية.
وهذا أمر مخيِّب للآمال: فوفورات الحجم في الحضر وقربه ينبغي أن يكون معناهما هو أن تتاح لجميع سكان الحضر إمكانية الحصول على خدمات أفضل. وتمديد الخدمات إلى الأحياء الفقيرة ينطوي على تكاليف أقل كثيراً من تكاليف تقديم الخدمات لنفس الأعداد من السكان في مستوطنات ريفية نائية ومتفرقة(84). ومن ثم من المنطقي استنتاج أن قدراً كبيراً من التفاوت بين ما هو ممكن وما هو موجود في الواقع إنما يرجع إلى الإدارة الحضرية.
كيف يمكن تحسين هذه الأنماط؟ وما هو الذي يستلزمه ذلك؟ يشدد هذا التقرير على أن قبول حتمية النمو الحضري ومزاياه المحتملة هو منطلق حاسم الأهمية. ومن دواعي الأسف أن النُهج الحظرية مازالت سائدة في إدارة التوسع الحضري وتوسع المناطق العشوائية الفقيرة. فكثيرون من الساسة والمخططين يعتبرون تكوُّن العشوائيات أمراً مؤقتاً: وكلما قل التدخل، كلما كان ذلك أفضل(85).
وحض القادة على اتباع نهج أكثر إيجابية فيما يتعلق بالنمو الحضري وفيما يتعلق بسكان العشوائيات يستدعي القيام بأنشطة للدعوة بشأن فوائد الاستعداد بفعالية للنمو الحضري. وفي نهاية المطاف، من الجوهري وجود التزام سياسي بإيجاد حلول ممكنة عملياً؛ وهذه المسألة ستُناقش في الفصل التالي. ويحتاج كل من واضعي السياسات والمجتمع المدني إلى معلومات متينة بشأن من هم الفقراء، والطريقة التي تزيد بها أعدادهم، وأين يعيشون، وما هي احتياجاتهم، وما هي العقبات التي تحول دون حصولهم على ما يمكن أن تقدمه المدينة. ويبحث الفصل 6 هذا الجانب بمزيد من التفصيل.
وثمة استراتيجية بالغة الأهمية في الجهود الرامية إلى الحد من الفقر وإعمال حقوق الأفراد هي إشراك الناس في تشكيل السياسات والبرامج التي تؤثر في حياتهم. وقد لقيت فوائد مشاركتهم اعترافاً وتشجيعاً على نطاق واسع في الاستراتيجيات الوطنية للحد من الفقر وكذلك في النُهُج المتبعة على الصعيد المحلي. وعلى الرغم من أن إشراك هذه الأعداد الكبيرة والمتزايدة من السكان في عمليات التنمية قد يبدو ضرورة واضحة، مازالت التحيزات ضد الفقراء في مدن كثيرة تحول دون ذلك(86).
واستجابة للحقائق اليومية، قام فقراء الحضر أنفسهم بتكوين جماعات ورابطات واتحادات هائلة. وتكاتفت معاً منظمات فقراء الحضر، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، لتحديد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها فقراء الحضر؛ وإيجاد حلول عملية لهذه المشاكل؛ ومكافحة التهميش؛ وكفالة إمكانية الحصول على السلع والخدمات التي يحق لهم أن يحصلوا عليها. وقد حققت تلك المنظمات نجاحاً على جبهات شتى، من بينها: تحسين مستوى العشوائيات، وإعاقة عمليات النقل إلى أماكن أخرى وعمليات الطرد، وتوفير إسكان ميسور وبنية تحتية، وبناء القدرات من أجل ضمان سُبل رزق مستقرة لأفراد تلك المنظمات(87).
وتبين بضع حالات تصويرية ذلك. فمنظمة "اتحاد الأشخاص الذين لا مأوى لهم في جنوب أفريقيا" ومنظمة "حوار الناس بشأن الأرض والمأوى" يضمان معاً في عضويتهما أكثر من 000 80 أسرة معيشية. وتعمل هاتان المنظمتان، عن طريق الجماعات المجتمعية التابعة لها، على رسم خرائط محلية وجمع بيانات من أجل التخطيط؛ ووضع نظم للادخار والائتمان؛ وحيازة مساكن وأرض؛ وإدرار دخل؛ وتمكين الأفراد عن طريق التواصل الشبكي وتبادل المعلومات(88).
وفي زهاء 80 مدينة في مختلف أنحاء أفغانستان، تقدم جماعات أهلية، معظمها ترأسها نساء، التعليم والخدمات الصحية وخدمات تنظيم الأعمال حتى أثناء عهد حكم طالبان الذي كان يمثل تحدياً. ويعمل موئل الأمم المتحدة حالياً على توسيع نطاق هذه المبادرات الأهلية بحيث تصبح عملية تنمية وعملية إعادة إنشاء البنية التحتية(89). وفي الفلبين، تزعَّم اتحاد منظمات الأحياء (ZOTO) مسعى ناجحاً لتأمين حقوق الملكية والاستئجار وتحسين مستوى المجتمعات المحلية من خلال حكومة الفلبين، في منطقة من مانيلا كان من المقرر أن تجري فيها عملية تحويل للأراضي وتشريد لجموع من فقراء الحضر الذين يقيمون فيها. وقد أسفر هذا المسعى، إلى جانب مساع أخرى، عن إصدار قوانين جديدة تجعل عمليات الطرد القسرية مستحيلة تقريباً بدون استشارة المتضررين وتضمن النقل إلى أماكن تُقدَّم لها خدمات مناسبة(90).
وتؤثِّر منظمات كثيرة من منظمات فقراء الحضر في نهاية المطاف على سياسات وممارسات الحكومات. ففي بون (Pune)، بالهند، زودت الحكومة المحلية حوالي مليونين من السكان بمراحيض عامة. وكان ذلك نتيجة لمفهوم تولت الدور الريادي في الترويج له جمعية النهوض بمراكز موارد المنطقة بالاشتراك مع الاتحاد الوطني لسكان العشوائيات، Mahila Milan - وهي شبكة من جماعات ادخار وائتمان شكلتها النســاء(91). وفي تايلند، يترابط أكثر من 000 1 منظمة وجماعة أهلية في مشروع وطني يرمي إلى إدخال تحسينات بجهود محلية على البيئة الحضرية في المناطق الفقيرة(92). وفي عدة مدن برازيلية، نجح التخطيط والميزنة القائمان على التشارك في تخصيص حصة أكبر من ميزانية الاستثمارات البلدية للأولويات التي حددتها الأحياء والجماعات الأهلية(93).
وفي حالات أخرى، تحولت جماعات صغيرة إلى اتحادات وطنية كبيرة بل وإلى شبكات دولية(94). و"الحركة الدولية لساكني الأكواخ/العشوائيات الفقيرة"، التي قد تكون أكبر حركة دولية من هذا القبيل، ولجنة "هوايرو" (انظر الإطار 8) هما مثالان لفعالية المنظمات المترابطة في رفع درجة أولوية القضايا الهامة بالنسبة لفقراء الحضر(95). ولقد أثّرت ضغوطها على جدول الأعمال الدولي في مجالات من قبيل حقوق الإسكان، والحماية من عمليات الطرد، وحقوق المرأة، ومسؤوليات الحكومة والمجتمع المدني فيما يتعلق بمحنة فقراء الحضر(96).
وباتباع هذه الطرائق على مر السنين، أظهرت القدرة الإبداعية لدى منظمات فقراء الحضر وأظهر عملها النشط أن أولئك الفقراء قادرون على تولي المسؤولية عن احتياجاتهم ولديهم حافز يدفعهم إلى ذلك وأنهم قادرون على المطالبة بحقهم في أن يحيوا حياة كريمة وجيدة. وقد أوصت فرقة العمل المعنية بالمناطق العشوائية الفقيرة والتابعة لمشروع الأمم المتحدة للألفية بأن "تعترف الحكومات بمنظمات فقراء الحضر أينما وجدت وبأن تعمل باستراتيجياتها"(97). ومشاركة المجتمع المدني واتباع نهج موجه قطرياً هما مبدآن من بين المبادئ الأساسية للبنك الدولي فيما يتعلق بعملية استراتيجية الحد من الفقر(98).
وباستطاعة هذه المنظمات، عند تقديم دعم حكومي مناسب لها، أن يكون لها تأثير أكبر حتى من ذلك في التصدي للفقر المادي، وفي تسخير حقوق الفقراء كمواطنين وكسكان في المدن، وفي تسخير قدراتهم باعتبارهم عوامل تغيير نشطة. ولن يكون مآل الحكومات سوى أن تكسب من ذلك، بالنظر إلى أن إدراج منظمات فقراء الحضر في إدارة المدن يؤدي إلى زيادة فعاليتها. ويتحسِّن تحديد الاحتياجات والمطالب، بينما تتعزز الاستجابة والكفاءة في تقديم الخدمات الحضرية. وهذا التعاون يحسِّن أيضاً التعلم والفهم عن طريق الجمع ما بين الخبرة التقنية والمعرفة المحلية. فتمكين المجتمع المدني يعمِّق الديمقراطية(99).
|