|
موجه التحضر الثانية: اختلاف في الحجم
تساعد مقارنة الاتجاهات المستقبلية بالاتجاهات الماضية على إبراز الاتجاهات الحالية للنمو الحضري. فحجم التغير الحالي غير مسبوق، وإن كانت معدلات النمو الحضري في معظم المناطق قد تباطأت. وتختلف أيضاً العوامل الاجتماعية – الاقتصادية والديمغرافية الكامنة وراء التحول الحضري في البلدان المتقدمة عنها في البلدان الأقل تقدماً، على النحو المشروح في الإطار 2.
 |
|
|
إن الزيادات الضخمة التي حدثت في عدد سكان الحضر في البلدان الفقيرة تشكل جزءًا من "موجة ثانية" من عمليات التحول الديمغرافي والاقتصادي والحضري، وهي موجة أكبر وأسرع كثيراً من الموجة الأولى. وقد بدأت الموجة الأولى من عمليات التحول الحديثة في أوروبا وأمريكا الشمالية في أوائل القرن الثامن عشر. وعلى مدى قرنين (من عام 1750 إلى عام 1950)، شهدت هذه المناطق أول عملية تحول ديمغرافي، وهي أول تصنيع وأول موجة تحضر. وقد أدى ذلك إلى وجود المجتمعات الصناعية الحضرية الجديدة التي تطغى الآن على العالم. ولقد كانت هذه العملية تدريجية نسبياً وشملت بضعة مئات الملايين من البشر.
وفي نصف القرن الماضي بدأت المناطق الأقل تقدماً تشهد نفس هذا التحول. فقد انخفضت معدلات الوفيات انخفاضاً سريعاً وهائلاً في معظم المناطق، بحيث تحقق في عقد واحد أو عقدين ما حققته البلدان المتقدمة في قرن أو قرنين، وكانت التأثيرات الديمغرافية لهذه التغيرات في معدلات الوفيات أكبر بدرجة هائلة. وتتبعها الانخفاضات في معدلات الخصوبة، بسرعة إلى حد ما في شرق وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وبدرجة أبطأ في أفريقيا.
وفي كلتا الموجتين كان النمو السكاني مقترناً بتغيرات اقتصادية لاستحثاث التحول الحضري. ولكن، مرة أخرى، نجد أن سرعة وحجم التحضر الآن أكبر بكثير مما كان في الماضي. وهذا ينطوي على طائفة من المشاكل الجديدة للمدن في البلدان الفقيرة. فهذه البلدان ستحتاج إلى إقامة بنية تحتية حضرية جديدة – مساكن، وكهرباء، والماء، وصرف صحي، وطرق، ومرافق تجارية وإنتاجية – أسرع مما كان لزاماً على المدن في أي مكان أثناء موجة التحضر الأولى.
ويبرز وضعان إضافيان الموجة الثانية. ففي الماضي كانت الهجرة إلى الخارج تخفف الضغط على المدن الأوروبية. وقد استقر كثيرون من أولئك المهاجرين، خصوصاً من هاجروا إلى الأمريكتين، في أراض زراعية جديدة أطعمت المدن الجديدة. والقيود الموجودة الآن على الهجرة الدولية تجعل تلك الهجرة عاملاً ثانوياً في تحضر العالم.
وأخيراً، تزيد سرعة وحجم الموجة الثانية بفعل التحسينات في التكنولوجيا الطبية وتكنولوجيا الصحة العامة، وهي تحسينات تؤدي إلى سرعة خفض معدلات الوفيات وتمكن الناس من التحكم في خصوبتهم. ويمثل استحداث وتكييف أشكال للتنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتلبية احتياجات العالم الحضري الجديد تحدياً أكبر بكثير.
.
|
ولقد حدثت موجة التحضر الأولى في أمريكا الشمالية وأوروبا على مدى قرنين، من عام 1750 إلى عام 1950: وهي زيادة من 10 إلى 52 في المائة في عدد سكان الحضر ومن 15 إلى 423 مليوناً في عدد المتحضرين. أما في موجة التحضر الثانية، التي تحدث في المناطق الأقل تقدماً، فإن عدد المتحضرين سيرتفع من 309 ملايين في عام 1950 إلى 3.9 بلايين في عام 2030. وعلى مدى تلك السنوات الثمانين سترتفع نسبة سكان الحضر في تلك البلدان من 18 في المائة إلى حوالي 56 في المائة.
وفي بداية القرن العشرين كان عدد سكان الحضر في المناطق المتقدمة حالياً يتجاوز ضعف عدد سكان الحضر في المناطق الأقل تقدماً (150 مليوناً مقابل 70 مليوناً). وعلى الرغم من أن مستويات التحضر لدى البلدان النامية أقل كثيراً فإن عدد سكان الحضر لديها الآن أكبر 2.6 مرة عن عدد سكان الحضر في المناطق المتقدمة (2.3 بليون مقابل 0.9 بليون). وستتسع هذه الفجوة بسرعة خلال العقود القليلة المقبلة.
وعلى الصعيد العالمي شهد القرن العشرون زيادة في عدد المتحضرين من 220 مليوناً في عام 1900 إلى 2.84 بليون في عام 2000 (7). وسيشهد القرن الحالي زيادة مطلقة مماثلة في حوالي أربعة عقود. وستمثل المناطق النامية بوجه عام 93 في المائة من هذا النمو، بحيث ستمثل آسيا وأفريقيا أكثر من 80 في المائة من تلك النسبة.
وخلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2030 سيزيد عدد سكان الحضر في آسيا من 1.36 بليون إلى 2.64 بليون، بينما سيزيد عدد سكان الحضر في أفريقيا من 294 مليوناً إلى 742 مليوناً، وسيزيد عدد سكان الحضر في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي من 394 مليوناً إلى 609 ملايين. ونتيجة لهذه التحولات، سيصبح لدى البلدان النامية 80 في المائة من سكان الحضر في العالم في عام 2030. ووقتئذ، سيصبح في أفريقيا وآسيا ما يقرب من سبعة بين كل عشرة من سكان الحضر في العالم.
وتأثير العولمة على أنماط نمو المدن يمثل فارقاً هاماً بين عمليات التحول الماضية والحالية(8). فالمدن هي المستفيدة الرئيسية من العولمة، أي من الاندماج التدريجي لاقتصادات العالم. فالناس يتجهون حيث توجد فرص العمل، وهذه الفرص توجد حيث يوجد الاستثمار والأنشطة الاقتصادية. ويتركز معظم الناس بدرجة متزايدة في المناطق الحضرية المفعمة بالحيوية وفيما حولها، سواء كانت كبيرة أو صغيرة.
إلا أن قلة قليلة من مدن البلدان النامية هي التي تولِّد ما يكفي من فرص العمل لتلبية احتياجات سكانها الذين تتزايد أعدادهم. وعلاوة على ذلك، لا يتمتع بثمار التحضر جميع قطاعات السكان على قدم المساواة، فالذين لا يتمتعون بتلك الثمار هم أولئك الذين يواجهون تقليدياً استبعاداً اجتماعياً واقتصادياً، ومن بينهم النساء والأقليات العرقية، مثلاً. وعلى النحو الموصوف في
الفصل 2، تعتبر الزيادة الهائلة في أعداد المتحضرين، مقرونة باستمرار نقص التنمية وقلة فرص العمل الحضرية، مسؤولة عن أوضاع يمكن أن تفوق التردي الذي وصفه ديكينز في ظل الثورة الصناعية. ومع ذلك، فإن المهاجرين من الريف إلى الحضر، من أمثال أديغوكي تيلور في القصة المعروضة في بداية هذا الفصل، يفضلون عموماً هذه الحياة الجديدة على الحياة التي تركوها وراءهم.
|