|
تزايد الجبل الجليدي
"إن نمو المدن سيمثل أكبر تأثير منفرد على التنمية في القرن الحادي والعشرين". كانت
هذه هي العبارة الاستهلالية في تقرير حالة سكان العالم الذي صدر عام 1996 عن صندوق
الأمم المتحدة للسكان(2). وهذه العبارة تكتسب مزيداً من الدقة كل يوم.
فحتى الآن كانت البشرية تعيش وتعمل أساساً في المناطق الريفية. ولكن العالم يوشك أن
يترك وراءه ماضيه الريفي: فبحلول سنة 2008، ولأول مرة، سيعيش أكثر من نصف سكان
العالم، أي 3.3 بلايين شخص، في بلدات ومدن(3).
وسيواصل عدد ونسبة سكان الحضر فى الارتفاع السريع. فسكان الحضر سيصبح عددهم 4.9
بلايين شخص بحلول سنة 2030. وبالمقارنة، من المتوقع أن ينقص عدد سكان الريف في
العالم بحوالي 28 مليون خلال الفترة من عام 2005 إلى عام 2030. ومن ثم فإن النمو
السكاني المستقبلي كله سيحدث، على الصعيد العالمي، في البلدات والمدن.
وسيكون معظم هذا النمو في البلدان النامية. فمن المتوقع أن يتضاعف عدد سكان الحضر
في أفريقيا وآسيا خلال الفترة ما بين عام 2000 وعام 2030. وسيواصل أيضاً عدد سكان
الحضر ارتفاعه، ولكن بدرجة أبطأ، في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. وفي الوقت
نفسه، من المتوقع أن يزيد عدد سكان الحضر في العالم المتقدم زيادة طفيفة نسبياً: من
870 مليوناً إلى 1.01 بليون.
ولهذا التوسع الحضري الهائل في البلدان النامية انعكاسات عالمية. فالمدن أصبحت
بالفعل محور جميع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية والبيئية الكبرى.
وما يحدث في مدن العالم الأقل تقدماً على مدى السنوات المقبلة سيحدد آفاق النمو
الاقتصادي العالمي، والتخفيف من وطأة الفقر، واستقرار عدد السكان، والاستدامة
البيئية، وممارسة حقوق الإنسان في نهاية المطاف.
ومع ذلك مما يبعث على الدهشة ضآلة ما يُنجز لتعظيم الفوائد المحتملة لهذا التحول أو
للحد من عواقبه الضارة. ولقد أوصى بوضوح المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بأن:
"الحكومات ينبغي أن تعزز قدراتها على الاستجابة للضغوط الناشئة عن سرعة التحضر عن
طريق إعادة النظر في وكالات وآليات الإدارة الحضرية وإعادة توجيهها حسب اللزوم،
وضمان مشاركة جميع الفئات السكانية على نطاق واسع في التخطيط واتخاذ القرارات بشأن
التنمية المحلية"(4).
ويحث هذا التقرير على إجراء تحليل بعيد النظر واتخاذ تدابير استباقية تحقيقاً لهذه
الأهداف. فالزيادات المتوقعة في أعداد السكان كبيرة للغاية، وستحدث التغييرات بسرعة
فائقة، بحيث لا تتيح للحكومات وللمخططين حتى مجرد أن تصدر عنهم ردود أفعال.
 |
|
|
(أ) حضري. تعرَّف المستوطنات أو المحليات بأنها "حضرية" من قِبل الأجهزة الإحصائية الوطنية.
(ب) التحضر. عملية التحول من مجتمع ريفي إلى مجتمع أكثر تحضراً. وإحصائياً، يجسد التحضر تزايد نسبة السكان الذين يعيشون في مستوطنات معرَّفة بأنها حضرية، أساساً عن طريق الهجرة الصافية من الريف إلى الحضر. ومستوى التحضر هو النسبة المئوية لمجموع عدد السكان الذين يعيشون في بلدات ومدن بينما يمثل معدل التحضر المعدل الذي ينمو به عدد أولئك السكان.
(ج) النمو الحضري. الزيادة في عدد السكان الذين يعيشون في بلدات ومدن، مقيسة إما من حيث القيمة النسبية أو من حيث القيمة المطلقة.
(د) الزيادة الطبيعية. الفارق بين عدد المواليد وعدد الوفيات بين سكان ما.
(هـ) التحول الحضري. التحول من مجتمع يغلب عليه الطابع الريفي إلى مجتمع يغلب عليه الطابع الحضري.
|
ومن السمات البارزة في النمو السكاني الحضري في القرن الحادي والعشرين أنه سيكون
مكوناً، إلى حد كبير، من أناس فقراء(5). وهؤلاء الفقراء كثيراً ما لا يشملهم التخطيط
الحضري؛ ويواجه المهاجرون إلى الحضر رفضاً، أو يواجهون تجاهلاً بأمل ردع حدوث مزيد
من الهجرة، وهو أمل لا طائل وراءه.
ويستدعي التخطيط الواقعي للنمو الحضري المستقبلي مراعاة صريحة لاحتياجات الفقراء.
ويتطلب أيضاً تحليلاً للفوارق بين الجنسين: فكثيراً ما تكون الاحتياجات الخاصة
للنساء والبنات وقدراتهن مغفلة ويُفترض أنها مثلها مثل احتياجات وقدرات الرجال
والبنين. ومع تغير التركيبات السكانية، سيصبح إيلاء اهتمام للشباب ولاحتياجات
المسنين أكثر أهمية من ذي قبل.
ويصف هذا الفصل بعض الاتجاهات الرئيسية في التحول الحضري، وبعض العقبات، وبعض
الإمكانيات، وذلك كنقطة انطلاق لمناقشة نهج جديد.
ويقدم الإطار 1 بعض التعاريف. فتعريف المصطلحين الأساسيين "حضري" و "ريفي" تعريفاً
عاماً كان على الدوام يمثل إشكالية(6). ومع تقدم العولمة يمكن أيضاً اعتبار تقسيم
المستوطنات البشرية إلى مستوطنات "ريفية" و "حضرية" تقسيماً مصطنعاً بدرجة متزايدة.
فتحسن وسائل الانتقال والاتصالات يُزيد القرب بين المدن والقرى والمناطق الزراعية.
وتصبح المناطق الريفية أشبه بالبلدات، بينما يُحدث الطابع العشوائي تحولاً في مساكن
المدن وخدماتها والقوى العاملة فيها، بل وحتى الإنتاج والاستهلاك. ولكن بالنظر إلى
أن أساليب التفكير وجهود التخطيط والبيانات مازالت مجزأة فإن التمييز بين ما هو
ريفي وما هو حضري مازال ضرورياً، وإن كان تمييزاً غير دقيق.
ولكل بلد من البلدان تعاريفها الخاصة بها، وتُغير سرعة النمو الحضري نفسه حدود
المدن باستمرار. إلا أن أوجه القصور في هذه البيانات أقل أهمية عند تحليل الاتجاهات
والآفاق العامة للنمو الحضري على صعيد العالم والصعيد الإقليمي، وهو ما يفعله هذا
التقرير.
|